فهرس الكتاب

الصفحة 6123 من 8321

اعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين على إنكار النبوة أردفه بذكر حال المخلصين في كيفية الثواب ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكرنا في فتح اللام وكسرها من المخصلين قراءتين فالفتح أن الله تعالى أخلصهم بلطفه واصطفاهم بفضله والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى .

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلومًا ، ولم يبين أن أي الصفات منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال ، فقيل معناه إن ذلك الرزق معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية ، قال تعالى: { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } [ مريم: 62 ] ، وقيل معناه أن ذلك الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصًا بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم ورائحة ولذة حسن منظر ، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ولا متى ينقطع ، وقيل معناه: القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وكرامته عليهم ، وقد بين الله تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل ، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقًا بين أن ذلك الرزق ما هو فقال: { فواكه } وفيه قولان الأول: أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة ، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد ، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ والثاني: أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى ، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبدًا كان الأدام أولى بالحضور ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق ، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال: { وَهُم مُّكْرَمُونَ } لأن الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم .

ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكنهم فقال: { فِي جنات النعيم * على سُرُرٍ متقابلين } ومعناه أنه لا كلفة عليهم في التلاقي للأنس والتخاطب ، وفي بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم ، ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا كذلك إلا مع الفسحة والسعة ، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأن يقوي الله أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم ، ولما شرح الله صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة الشراب فقال: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ } يقال للزجاجة التي فيها الخمر كأس وتسمى الخمرة نفسها كأسًا قال:

وكأس شربت على لذة ... [ وأخرى تداويت منها بها ]

وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وقوله: { مّن مَّعِينٍ } أي من شراب معين ، أو من نهر معين ، المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي معينًا لظهوره يقال عان الماء إذا ظهر جاريًا ، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل ، وقيل سمي معينًا لأنه يجري ظاهر العين ، ويجوز أن يكون فعيلًا من المعين وهو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في المسير إذا اشتد فيه ، وقوله: { بَيْضَاء } صفة للخمر ، قال الأخفش ، خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن ، وقوله: { لَذَّةٍ } فيه وجوه أحدها: أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة في وصفه بهاتين الصفتين وثانيها: قال الزجاج أي ذات لذة فعلى هذا حذف المضاف وثالثها: قال الليث: اللذ واللذيذ يجريان مجرى واحدًا في النعت ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى: { بَيْضَاء لَذَّةٍ للشاربين } وقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت