القصة الثالثة
وصفه طهارة مريم صلوات الله عليها
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: عامل الإعراب ههنا في { إِذْ } هو ما ذكرناه في قوله { إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } [ آل عمران: 35 ] من قوله { سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ثم عطف عليه { إِذْ قَالَتِ الملئكة } وقيل: تقديره واذكر إذ قالت الملائكة .
المسألة الثانية: قالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده ، وهذا كقوله { يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ } [ النحل: 2 ] يعني جبريل ، وهذا وإن كان عدولًا عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه ، لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام ، وهو قوله { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } [ مريم: 17 ] .
المسألةالثالثة: اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى } [ يوسف: 109 ] وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها ، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء ، أو إرهاصًا لعيسى عليه السلام ، وذلك جائز عندنا ، وعند الكعبي من المعتزلة ، أو معجزة لزكرياء عليه السلام ، وهو قول جمهور المعتزلة ، ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب ، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله { وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى } [ القصص: 7 ] .
المسألة الرابعة: اعلم أن المذكور في هذه الآية أولًا: هو الاصطفاء ، وثانيًا: التطهير ، وثالثًا: الاصطفاء على نساء العالمين ، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولًا من الاصطفاء الثاني ، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق ، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها ، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها .
النوع الأول من الاصطفاء: فهو أمور أحدها: أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث وثانيها: قال الحسن: إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين ، بل ألقتها إلى زكريا ، وكان رزقها يأتيها من الجنة وثالثها: أنه تعالى فرغها لعبادته ، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة ورابعها: أنه كفاها أمر معيشتها ، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى: { أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } وخامسها: أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها ، ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها ، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول ، وأما التطهير ففيه وجوه أحدها: أنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية ، فهو كقوله تعالى في أزواج النبي A { وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [ الأحزاب: 33 ] وثانيها: أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال وثالثها: طهرها عن الحيض ، قالوا: كانت مريم لا تحيض ورابعها: وطهرك من الأفعال الذميمة ، والعادات القبيحة وخامسها: وطهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم .