وأما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب ، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة ، وجعلها وابنها آية للعالمين ، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة .
المسألة الخامسة: روي أنه E قال: « حسبك من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون ، وخديجة ، وفاطمة عليهن السلام » فقيل هذا الحديث دل على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء ، وهذه الآي دلت على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل ، وقول من قال المراد إنها مصطفاة على عالمي زمانها ، فهذا ترك الظاهر .
ثم قال تعالى: { يامريم اقنتى لِرَبّكِ واسجدى } وقد تقدم تفسير القنوت في سورة البقرة في قوله تعالى: { وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين } [ البقرة: 238 ] وبالجملة فلما بيّن تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من الله أوجب عليها مزيد الطاعات ، شكرًا لتلك النعم السنية ، وفي الآية سؤالات:
السؤال الأول: لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع؟ .
والجواب من وجوه الأول: أن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب الثاني: أن غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجدًا قال E: « أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد » فلما كان السجود مختصًا بهذا النوع من الرتبة والفضيلة لا جرم قدمه على سائر الطاعات .
ثم قال: { واركعى مَعَ الركعين } وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة ، فكأنه تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات ، وأما الصلاة فإنها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها والثالث: قال ابن الأنباري: قوله تعالى: { اقنتى } أمر بالعبادة على العموم ، ثم قال بعد ذلك { واسجدى واركعى } يعني استعملي السجود في وقته اللائق به ، واستعملي الركوع في وقته اللائق به ، وليس المراد أن يجمع بينهما ، ثم يقدم السجود على الركوع والله أعلم الرابع: أن الصلاة تسمى سجودًا كما قيل في قوله { وأدبار السجود } [ ق: 40 ] وفي الحديث « إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين » وأيضًا المسجد سمي باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع الصلاة ، وأيضًا أشرف أجزاء الصلاة السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز .
إذا ثبت هذا فنقول قوله { يامريم اقنتى } معناه: يا مريم قومي ، وقوله { واسجدى } أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة ، ثم قال: { واركعى مَعَ الراكعين } إما أن يكون أمرًا لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله { واسجدى } أمرًا بالصلاة حال الانفراد ، وقوله { واركعى مَعَ الراكعين } أمرًا بالصلاة في الجماعة ، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله { واسجدى } أمرًا ظاهرًا بالصلاة ، وقوله { واركعى مَعَ الراكعين } أمرًا بالخضوع والخشوع بالقلب .