اعلم أن المذكور في هذه الآية نوع آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم فقال: { لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ } أي من قبل واقعة تبوك . قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلًا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي A ، وقيل المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي A مع أصحابه ، وقيل: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك ، ومعنى الفتنة هو الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة ، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين وسلمهم الله منه ، وقوله: { وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور } تقليب الأمر تصريفه وترديده لأجل التدبر والتأمل فيه ، يعني اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك . يقال: في الرجل المتصرف في وجوه الحيل فلان حول قلب ، أي يتقلب في وجوه الحيل .
ثم قال تعالى: { حتى جَاء الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كارهون } والمعنى: أن هؤلاء المنافقين كانوا مواظبين على وجه الكيد والمكر وإثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء الحق الذي كان في حكم المذاهب ، والمراد منه القرآن ودعوة محمد ، وظهر أمر الله الذي كان كالمستور والمراد بأمر الله الأسباب التي أظهرها الله تعالى وجعلها مؤثرة في قوة شرع محمد E ، وهم لها كارهون أي وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله كارهون ، وفيه تنبيه على أنه لا أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الشر ، فإنهم منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد ، والله تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم وأتى بضد مقصودهم ، فلما كان الأمر كذلك في الماضي ، فهذا يكون في المستقبل .
ثم قال تعالى: { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } يريد ائذن لي في القعود ولاتفتني بسبب الأمر بالخروج ، وذكروا فيه وجوها: الأول: لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي ، فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم ، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية ، وإن يكونوا أيضًا ذكروه على سبيل الجد ، وإن كان ذلك المنافق منافقًا كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقًا ، وإن كان غير قاطع بذلك . والثاني: لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها . والثالث: لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي . والرابع: قال الجد بن قيس: قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ، يعني نساء الروم ، ولكني أعينك بمال فاتركني ، وقرىء { وَلاَ تَفْتِنّى } من أفتنه { أَلا فِى الفتنة سَقَطُواْ } والمعنى أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة ، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة ، فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله ، والتمرد عن قبول التكليف . وأيضًا فهم يبقون خالفين عن المسلمين ، خائفين من أن يفضحهم الله ، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي { سُقِطَ } لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى . قال أهل المعاني: وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما ، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض ، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون .