فهرس الكتاب

الصفحة 2958 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين أنه فصل المحرمات أتبعه بما يوجب تركها بالكلية بقوله: { وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } والمراد من الإثم ما يوجب الإثم ، وذكروا في ظاهر الإثم وباطنه وجهين: الأول: أن { ظاهر الإثم } الإعلان بالزنا { وَبَاطِنَهُ } الاستسرار به . قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالًا ما كان سرًا ، فحرم الله تعالى بهذه الآية السر منه والعلانية . الثاني: أن هذا النهي عام في جميع المحرمات وهو الأصح ، لأن تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل غير جائز ، ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم ، وقيل: ما عملتم وما نويتم . وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلًا ولا كثيرًا ، تريد ما أخذت منه بوجه من الوجوه ، وقال آخرون: معنى الآية النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج من كونه إثمًا بسبب إخفائه وكتمانه ، ويمكن أن يقال: المراد من قوله: { وَذَرُواْ ظاهر الإثم } النهي عن الإقدام على الإثم ، ثم قال: { وَبَاطِنَهُ } ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس . وقال آخرون: { ظاهر الإثم } أفعال الجوارح { وَبَاطِنَهُ } أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة السوء للمسلمين ، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني واللوم على الخيرات ، وبهذا يظهر فساد قول من يقول: إن ما يوجد في القلب لا يؤاخذ به إذا لم يقترن به عمل فإنه تعالى نهى عن كل هذه الأقسام بهذه الآية .

ثم قال تعالى: { إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } ومعنى الاقتراف قد تقدم ذكره . وظاهر النص يدل على أنه لا بد وأن يعاقب المذنب ، إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب ، وأصحابنا زادوا شرطًا ثانيًا ، وهو أنه تعالى قد يعفو عن المذنب فيترك عقابه كما قال الله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء: 48 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت