فهرس الكتاب

الصفحة 3929 من 8321

اعلم أن قوله: { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم الله بها سبع ليال وثمانية أيام ، تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية .

فإن قيل: فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم؟

قلنا: يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشده قوتها ، فتخطف الحيوان من الأرض ، ثم تضربه على الأرض ، فكل ذلك محمل .

وأما قوله: { نَجَّيْنَا هُودًا } فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى الكافر معًا ، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذابًا على الكافر ، فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة الله تعالى أن ينجي المؤمن منه ، ولولا ذلك لما عرف كونه عذابًا على كفرهم ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا: { نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } .

وأما قوله: { بِرَحْمَةٍ مّنَّا } ففيه وجوه: الأول: أراد أنه لا ينجو أحد وإن اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من الله ، والثاني: المراد من الرحمة: ما هداهم إليه من الإيمان بالله والعمل الصالح . الثالث: أنه رحمهم في ذلك الوقت ، وميزهم عن الكافرين في العقاب .

وأما قوله: { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } فالمراد من النجاة الأولى هي النجاة من عذاب الدنيا ، والنجاة الثانية من عذاب القيامة ، وإنما وصفه بكونه غليظًا تنبيهًا على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى العذاب الذي وقعوا فيه كان عذابًا غليظًا ، والمراد من قوله تعالى: { وَنَجَّيْنَاهُمْ } أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا يقعون فيه .

واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد A ، فقال: { عَادٌ جَحَدُواْ } فهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم ، كأنه تعالى قال: سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا . ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة ، فأما أوصافهم فهي ثلاثة .

الصفة الأولى: قوله: { جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ } والمراد: جحدوا دلالة المعجزات على الصدق ، أو الجحد ، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم ، إن ثبت أنهم كانوا زنادقة .

الصفة الثانية: قوله: { وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولًا واحدًا ، فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى: { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } [ البقرة: 285 ] وقيل: لم يرسل إليهم إلا هود عليه السلام .

الصفة الثالثة: قوله: { واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } والمعنى أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم: { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } [ المؤمنون: 24 ] والمراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود والمعاند ، وهو المنازع المعارض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت