اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه ، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها .
فالنوع الأول: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيبًا وفيه مسالتان:
المسألة الأولى: الضمير في قوله: { لما لا يعلمون } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله: { إذا فريق منكم بربهم يشركون } [ النحل: 54 ] والمعنى أن المشركين لا يعلمون . والثاني: أنه عائد إلى الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها قال بعضهم: الأول أولى لوجوه: أحدها: أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز . وثانيها: أن الضمير في قوله: { ويجعلون } عائد إلى المشركين فكذلك في قوله: { لما لا يعلمون } يجب أن يكون عائد إليهم . وثالثها: أن قوله: { لما لا يعلمون } جمع بالواو والنون . وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات ، ومنهم من قال بل القول الثاني أولى لوجوه: الأول: أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار ، فإن التقدير: ويجعلون لما لا يعلمون إلهًا ، أو لما لا يعلمون كونه نافعًا ضارًا ، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام ، لم نفتقر إلى الإضمار لأن التقدير: ويجعلون لما لا علم لها ولا فهم . والثاني: أنه لو كان العلم مضافًا غلى المشركين لفسد المعنى ، لأن من المحال أن يجعلوا نصيبًا من رزقهم لما لا يعلمونه ، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر .
واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار ، وذلك يحتمل وجوهًا: أحدها: ويجعلون لما لا يعلمون له حقًا ، ولا يعلمون في طاعته نفعًا ولا في الإعراض عنه ضررًا ، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيبًا . وثانيها: ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها . وثالثها: ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة . ورابعها: المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم .
المسألة الرابعة: في تفسير ذلك النصيب احتمالات: الأول: المراد منه أنهم جعلوا لله نصيبًا من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به ، ونصيبًا إلى الأصنام يتقربون به إليها ، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام . والثاني: أن المراد من هذا النصيب ، البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وهو قول الحسن . والثالث: ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام ، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم علىلكواكب السبعة ، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات ، وللمشتري أشياء أخرى فكذا ههنا .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال: { تالله لتسألن } وهذا في هؤلاء الأقوم خاصة بمنزلة قوله: