في قوله: { فَإِن كَذَّبُوكَ } وجوه: أحدها: فان كذبوك في قولك أن الأنبياء المتقدمين جاؤا إلى هؤلاء اليهود بالقربان الذي تأكله النار فكذبوهم وقتلوهم ، فقد كذب رسل من قبلك: نوح وهود وصالح وابراهيم وشعيب وغيرهم . والثاني: أن المراد: فإن كذبوك في أصل النبوة والشريعة فقد كذب رسل من قبلك ، ولعل هذا الوجه أوجه ، لأنه تعالى لم يخصص ، ولأن تكذيبهم في أصل النبوة أعظم ، ولأنه يدخل تحته التكذيب في ذلك الحجاج . والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله A ، وبيان أن هذا التكذيب ليس أمرا مختصا به من بين سائر الأنبياء ، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع الأنبياء والطعن فيهم ، مع أن حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب إليهم كحالك ، ومع هذا فإنهم صبروا على ما نالهم من أولئك الأمم واحتملوا إيذاءهم في جنب تأدية الرسالة ، فكن متأسيا بهم سالكا مثل طريقتهم في هذا المعنى ، وإنما صار ذلك تسلية لأن المصيبة إذا عمت طابت وخفت ، فأما البينات فهي الحجج والمعجزات ، وأما الزبر فهي الكتب ، وهي جمع زبور ، والزبور الكتاب ، بمعنى المزبور أي المكتوب ، يقال: زبرت الكتاب أي كتبته ، وكل كتاب زبور . قال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة ، وعلى هذا: الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر ، يقال: زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل ، وسمي الكتاب زبورًا لما فيه من الزبر عن خلاف الحق ، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ . وقرأ ابن عباس { وبالزبر } أعاد الباء للتأكيد وأما «المنير» فهو من قولك أنرت الشيء أي أوضحته ، وفي الآية مسألتان .
المسألة الأولى: المراد من البينات المعجزات ثم عطف عليها الزبر والكتاب ، وهذا يقتضي أن يقال إن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم ، وذلك يدل على أن أحدا من الأنبياء ما كانت كتبهم معجزة لهم ، فالتوراة والانجيل والزبور والصحف ما كان شيء منها معجزة ، وأما القرآن فهو وحده كتاب ومعجزة ، وهذا أحد خواص الرسول E .
المسألة الثانية: عطف «الكتاب المنير» على «الزبر» مع أن الكتاب المنير لا بد وأن يكون من الزبر ، وإنما حسن هذا العطف لأن الكتاب المنير أشرف الكتب وأحسن الزبر ، فحسن العطف كما في قوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب: 7 ] وقال: { مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] ووجه زيادة الشرف فيه إما كونه مشتملا على جميع الشريعة ، أو كونه باقيًا على وجه الدهر ، ويحتمل أن يكون المراد بالزبر: الصحف ، وبالكتاب المنير التوراة والانجيل والزبور .
قوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } .
اعلم ان المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول E والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين: أحدهما: أن عاقبة الكل الموت ، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها ، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل اليه . والثاني: أن بعد هذه الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسيء ، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء ، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء ، وفي الآية مسائل: