فهرس الكتاب

الصفحة 1998 من 8321

وأما الثاني: فانه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة ، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة ، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية ، والله أعلم .

المسألة الثانية: في محل { الذين } وجوه: أحدها: قال الزجاج: الجر ، وهذا نعت العبيد ، والتقدير: وما ربك بظلام للعبيد الذين قالوا كذا وكذا . وثانيها: أن التقدير: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ، وقول الذين قالوا إن الله عهد إلينا . وثالثها: أن يكون رفعا بالابتداء والتقدير: هم الذين قالوا ذلك .

المسألة الثالثة: قال الواحدي C: القربان البر الذي يتقرب به إلى الله ، وأصله المصدر من قولك قرب قربانا ، كالكفران والرجحان والخسران ، ثم سمى به نفس المتقرب به ، ومنه قوله E لكعب بن عجرة « يا كعب الصوم جُنَّةٌ والصلاة قربان » أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه .

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة فقال: { قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صادقين } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بين بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد ، بل على سبيل التعنت ، وذلك لأن أسلاف هؤلاء اليهود طلبوا هذا المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا وعيسى ويحيى عليهم السلام ، وهم أظهروا هذا المعجز ، ثم إن اليهود سعوا في قتل زكرياء ويحيى ، ويزعمون أنهم قتلوا عيسى عليه السلام أيضًا ، وذلك يدل على أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز من أولئك الأنبياء على سبيل التعنت ، إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم ، ثم إن المتأخرين راضون بأفعال أولئك المتقدمين ومصوبون لهم في كل ما فعلوه ، وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا المعجز من محمد E متعنتين ، واذا ثبت أن طلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ، لم يجب في حكمة الله إسعافهم بذلك ، لا سيما وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد A ، وهذا الجواب شاف عن هذه الشبهة .

المسألة الثانية: إنما قال: { قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى } ولم يقل جاءتكم رسل لأن فعل المؤنث يذكر إذا تقدمه .

المسألة الثالثة: المراد بقوله: { وبالذى قُلْتُمْ } هو ما طلبوه منه ، وهو القربان الذي تأكله النار .

واعلم أنه تعالى لم يقل: قد جاءكم رسل من قبلي بالذي قلتم ، بل قال: { قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ } والفائدة: أن القوم قالوا: ان الله تعالى وقف التصديق بالنبوة على ظهور القربان الذي تأكله النار ، فلو أن النبي E قال لهم: إن الأنبياء المتقدمين أتوا بهذا القربان ، لم يلزم من هذا القدر وجوب الاعتراف بنبوتهم ، لاحتمال أن الاتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها ، والشرط هو الذي يلزم عند عدمه عدم المشروط ، لكن لا يلزم عند وجوده وجود المشروط ، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القدر لما كان الالزام واردا ، أما لما قال: { قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ } كان الالزام واردا ، لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب للتصديق ، ولما أتوا بهذا القربان فقد اتوا بالشرط ، وعند الاتيان بهما كان الاقرار بالنبوة واجبا ، فثبت أنه لولا قوله: { جَاءكُمْ . . . بالبينات } لم يكن الالزام واردا على القوم ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت