اعلم أنه تعالى لما قال: { والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ } [ الشورى: 39 ] أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدًا بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السموات والأرض ، فلهذا السبب قال: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه ، فكيف سمي بالسيئة؟ أجاب صاحب «الكشاف» : عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به ، قال تعالى: { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ } [ النساء: 78 ] يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا ، وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر ، والحق ما ذكره صاحب «الكشاف» .
المسألة الثانية: هذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان ، لأن في طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان ، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه ، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزّه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل ، ثم تأكد هذا النص بنصوص أُخر ، كقوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [ النحل: 126 ] وقوله تعالى: { مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا } [ غافر: 40 ] وقوله عزّ وجلّ: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة: 178 ] والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة وقوله تعالى: { والجروح قِصَاصٌ } [ المائدة: 45 ] وقوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } [ البقرة: 179 ] فهذه النصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله . ثم هاهنا دقيقة: وهي أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء الزيادة فههنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني وبين منع المجني عليه من استيفاء حقه ، فأيهما أولى؟ فههنا محل اجتهاد المجتهدين ، ويختلف ذلك باختلاف الصور ، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيهًا على الباقي .
المثال الأول: احتج الشافعي Bه على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل بالعبد ، بأن قال المماثلة شرط لجريان اللقصاص وهي مفقودة في هاتين المسألتين ، فوجب أن لا يجري القصاص بينهما ، أما بيان أن المماثلة شرط لجريان القصاص فهي النصوص المذكورة ، وكيفية الاستدلال بها أن نقول إما أن نحمل المماثلة المذكورة في هذه النصوص على المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه الدليل أو نحملها على المماثلة في أمر معين ، والثاني مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية ، فلو حملنا الآية عليها لزم الإجمال ، ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل التخصيص ، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص ، فثبت أن الآية تقتضي رعاية المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه دليل العقل ودليل نقلي منفصل ، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المماثلة في قتل المسلم بالذمي ، وقي قتل الحر بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع في إيجاب القتل ، لتحصيله عند عدمه كما في حق الكافر الأصلي ، ولإبقائه عند وجوده كما في حق المرتد وأيضًا الحرية صفة اعتبرها الشرع في حق القضاء والإمامة والشهادة ، فثبت أن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة ههنا فوجب المنع من القصاص .