فهرس الكتاب

الصفحة 4484 من 8321

اعلم أنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين في أشياء ، منها قولهم بإثبات الشركاء والأنداد لله تعالى ، ومنها طعنهم في نبوة الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وقولهم لو أرسل الله رسولًا لكان ذلك الرسول من الملائكة . ومنها قولهم بتحليل أشياء حرمها الله ، وتحريم أشياء أباحها الله تعالى ، فلما بالغ في إبطال مذاهبهم في هذه الأقوال ، وكان إبراهيم عليه السلام رئيس الموحدين وقدوة الأصوليين ، وهو الذي دعا الناس إلى التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع . والمشركون كانوا مفتخرين به معترفين بحسن طريقته مقرين بوجوب الاقتداء به ، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة ، وحكى عنه طريقته في التوحيد ليصير ذلك حاملًا لهؤلاء المشركين على الإقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك ، واعلم أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بصفات:

الصفة الأول: أنه كان أمة ، وفي تفسيره وجوه: الأول: أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في صفات الخير كقوله:

ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد

الثاني: قال مجاهد ، كان مؤمنًا وحده ، والناس كلهم كانوا كفارًا فلهذا المعنى كان وحده أمة وكان رسول الله A يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: « يبعثه الله أمة وحده » الثالث: أن يكون أمة فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والبغية ، فالأمة هو الذي يؤتم به ، ودليله قوله: { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } [ البقرة: 124 ] . الرابع: أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد والدين الحق ، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله تعالى بالأمة إطلاقًا لاسم المسبب على السبب ، وعن شهر بن حوشب لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم عليه السلام فإنه كان وحده .

الصفة الثانية: كونه قانتًا لله ، والقانت هو القائم بما أمره الله تعالى به قال ابن عباس Bهما: معناه كونه مطيعًا لله .

الصفة الثالثة: كونه حنيفًا والحنيف المائل إلى ملة الإسلام ميلًا لا يزول عنه ، قال ابن عباس Bهما: إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى ، وهذه صفة الحنيفية .

الصفة الرابعة: قوله: { وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين } معناه: أنه كان من الموحدين في الصغر والكبر والذي يقرر كونه كذلك أن أكثر همته عليه السلام كان في تقرير علم الأصول فذكر دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه وهو قوله: { رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ } [ البقرة: 258 ] ثم أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: { لا أُحِبُّ الآفلين } [ الأنعام: 76 ] ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أن ألقوه في النار ، ثم طلب من الله أن يريه كيفية إحياء الموتى ليحصل له مزيد الطمأنينة ، ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه السلام كان غارقًا في بحر التوحيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت