إعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود ، وبيع برهان مقبوضة ، وبيع الأمانة ، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد ، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب ، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعًا آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد ثم في الآية مسائل:
المسألة الأولى: ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [ البقرة: 184 ] ونعيده هاهنا قال أهل اللغة: تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب ، لأنه يبين الشيء ويوضحه ، وسمي السفر سفرًا ، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، أي يكشف ، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس ، أو لأنه لما خرج إلى الصحراء ، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية ، وأسفر الصبح إذا ظهر ، وأسفرت المرأة عن وجهها ، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في قلوبهم ، وسفرت أسفر إذا كنست ، والسفر الكنس ، وذلك لأنك إذا كنست ، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح ، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم .
المسألة الثانية: أصل الرهن من الدوام ، يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت ، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة .
إذا عرفت أصل المعنى فنقول: أصل الرهن مصدر . يقال: رهنت عند الرجل أرهنه رهنًا إذا وضعت عنده ، قال الشاعر:
يراهنني فيرهنني بنيه ... وأرهنه بني بما أقول
إذا عرفت هذا فنقول: إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل ، فإذا قال: رهنت عند زيد رهنًا لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ، لكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت عند زيد ثوبًا ، ولما جعل اسمًا بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان: رهن ورهان ، ومما جاء على رهن قول الأعشى:
آليت لا أعطيه من أبنائنا ... رهنًا فيفسدهم كمن قد أفسدا
وقال بعيث:
بانت سعاد وأمسى دونها عدن ... وغلقت عندها من قبلك الرهن
ونظيره قولنا: رهن ورهن ، سقف وسقف ، ونشر ونشر ، وخلق وخلق ، قال الزجاج: فعل وفعلى قليل ، وزعم الفرّاء أن الرهن جمعه رهان ، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر ، ومن الناس من عكس هذا فقال: الرهن جمعه رهن ، والرهن جمعه رهان ، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطردًا ، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق ، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر ، مثل نعل ونعال ، وكبش وكباش وكعب وكعاب ، وكلب وكلاب .