فهرس الكتاب

الصفحة 1558 من 8321

ثم قال تعالى: { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } وأكثر المفسرين قالوا: المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان .

واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط .

ثم قال تعالى: { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهيًا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهيًا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول: قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني: قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد .

واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في { لا يُضَارَّ } أحدهما: أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني: أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله { لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا } وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر Bه { وَلاَ يضارر } بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس { وَلاَ يضارر } بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك { وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } قال: وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة ، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد ، ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة { وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ } [ البقرة: 283 ] والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطابًا للكاتب والشهيد لقيل: وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطابًا للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم .

ثم قال: { وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } وفيه وجهان أحدهما: يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى: فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار والثاني: أنه عام في جميع التكليف ، والمعنى: وإن تفعلوا شيئًا مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئًا مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم ، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته .

ثم قال تعالى: { واتقوا الله } يعني فيما حذر منه هاهنا ، وهو المضارة ، أو يكون عامًا ، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه .

ثم قال: { وَيُعَلّمُكُمُ الله } والمعنى: أنه يعلمكم ما يكون إرشادًا واحتياطًا في أمر الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشادًا في أمر الدين { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالمًا بجميع مصالح الدنيا والآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت