المسألة الثانية: قوله { أَن تَكُونَ } فيه قولان أحدهما: أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } والثاني: قال الفرّاء: إن شئت جعلت { كَانَ } ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة ، والخبر تديرونها ، والتقدير: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم .
المسألة الثالثة: قرأ عاصم { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الاسم ، وفيه وجوه أحدها: التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول الشاعر:
بني أسد هل تعلمون بلاءنا ... إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا
أي إذا كان اليوم وثانيها: أن يكون التقدير: إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة وثالثها: قال الزجاج: التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضر ، قال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة ، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوبًا بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم .
المسألة الرابعة: التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرًا أو في الذمة لطلب الربح ، يقال: تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين ، فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً } لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدًا بيد ، ثم قال: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن لا تَكْتُبُوهَا } [ البقرة: 282 ] معناه: لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه .