فهرس الكتاب

الصفحة 3413 من 8321

اعلم أن هذا من جملة النعم التي خص أهل بدر بها وفيه مسائل:

المسألة الأولى: العامل في { إِذْ } فيه وجوه: قيل: تقديره اذكر إذ زين لهم ، وقيل: هو عطف على ما تقدم من تذكير النعم ، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذ زين ، وقيل: هو عطف على قوله: خرجوا بطرًا ورئاء الناس . وتقديره: لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورثاء الناس وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم .

المسألة الثانية: في كيفية هذا التزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة الإنسان ، وهو قول الحسن والأصم . والثاني: أنه ظهر في صورة الإنسان . قالوا: إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة ، لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدًا ، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم ، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم في جند من الشياطين ، ومعه راية ، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة ، فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه . وقيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام ، فلما نكص قال له الحرث: أتخذ لنا في هذه الحال؟ فقال: إني أرى ما لا ترونا ودفع في صدر الحرث وانهزموا . وفي هذه القصة سؤالات:

السؤال الأول: ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة؟

والجواب فيه معجزة عظيمة للرسول عليه السلام وذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم . فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطانًا .

فإن قيل: فإذا حضر إبليس لمحاربة المؤمنين . ومعلوم أنه في غاية القوة ، فلم لم يهزموا جيوش المسلمين؟

قلنا: لأنه رأى في جيش المسلمين جبريل مع ألف من الملائكة ، فلهذا السبب خاف وفر .

فإن قيل: فعلى هذا الطريق وجب أن ينهزم جميع جيوش المسلمين لأنه يتشبه بصورة البشر ويحضر ويعين جمع الكفار ويهزم جموع المسلمين ، والحاصل: أنه إن قدر على هذا المعنى فلم لا يفعل ذلك في سائر وقائع المسلمين؟ وإن لم يقدر عليه فكيف أضفتم إليه هذا العمل في واقعة بدر؟

الجواب: لعله تعالى إنما غير صورته إلى صورة البشر في تلك الواقعة أما في سائر الوقائع فلا يفعل ذلك التغيير .

السؤال الثاني: أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطانًا بل صار بشرًا .

الجواب أن الإنسان إنما كان إنسانًا بجوهر نفسه الناطقة ، ونفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة ، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنسانًا بحسب بنيته الظاهرة وصورته المخصوصة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت