قرأ العامة ( سورة ) بالرفع ، وقرأ طلحة بن مصرف بالنصب ، أما الذين قرأوا بالرفع فالجمهور قالوا الابتداء بالنكرة لا يجوز ، والتقدير هذه سورة أنزلناها ، أو نقول سورة أنزلناها مبتدأ موصوف ، والخبر محذوف أي فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها ، وقال الأخفش لا يبعد الابتداء بالنكرة فسورة مبتدأ وأنزلنا خبره ، ومن نصب فعلى معنى الفعل ، يعني اتبعوا سورة أو أتل سورة أو أنزلنا سورة ، وأما معنى السورة ومعنى الإنزال فقد تقدم ، فإن قيل الإنزال إنما يكون من صعود إلى نزول ، فهذا يدل على أنه تعالى في جهة ، قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن جبريل عليه السلام كان يحفظها من اللوح المحفوظ ثم ينزلها عليه A ، فلهذا جاز أن يقال أنزلناها توسعًا وثانيها: أن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب في السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزلها بعد ذلك نجومًا على لسان جبريل عليه السلام وثالثها: معنى { أنزلناها } أي أعطيناها الرسول ، كما يقول العبد إذا كلم سيده رفعت إليه حاجتي ، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال قال الله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } [ فاطر: 10 ] .
أما قوله: { وفرضناها } فالمشهور قراءة التخفيف ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد .
أما قراءة التخفيف فالفرض هو القطع والتقدير قال الله تعالى: { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } [ البقرة: 237 ] أي قدرتم { إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان } [ القصص: 85 ] أي قدر ، ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود وتحصيل الحاصل محال ، فوجب أن يكون المراد وفرضنا ما بين فيها ، وإنما قال ذلك لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود فلذلك عقبها بهذا الكلام ، وأما قراءة التشديد فقال الفراء: التشديد للمبالغة والتكثير ، أما المبالغة فمن حيث إنها حدود وأحكام فلا بد من المبالغة في إيجابها ليحصل الانقياد لقبولها ، وأما التكثير فلوجهين: أحدهما: أن الله تعالى بين فيها أحكامًا مختلفة والثاني: أنه سبحانه وتعالى أوجبها على كل المكلفين إلى آخر الدهر ، أما قوله: { وأنزلنا فيها آيات بينات } ففيه وجوه: أحدها: أنه سبحانه ذكر في أول السورة أنواعًا من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله: { وفرضناها } إشارة إلى الأحكام التي بينها أولًا ثم قوله: { وأنزلنا فيها آيات بينات } إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد ، والذي يؤكد هذا التأويل قوله: { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها . أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها . وثانيها: قال أبو مسلم يجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكر فيها من الحدود والشرائع كقوله: