فهرس الكتاب

الصفحة 2988 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة ، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب ، والمذنبين بالعذاب ، ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ، ومع كونه غنيًا فإن رحمته عامة كاملة ، ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الإنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار ، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال: { وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة } ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية ، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين: الأول: إلى بيان كونه تعالى غنيًا . فنقول: إنه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه ، لأنه لو كان محتاجًا لكان مستكملًا بذلك الفعل ، والمستكمل بغيره ناقص بذاته ، وهو على الله محال ، وأيضًا فكل إيجاب أو سلب يفرض ، فإن كان ذاته كافية في تحققه ، وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته وإن لم تكن كافية ، فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه ، فذاته لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال فثبت أنه تعالى غني على الإطلاق .

واعلم أن قوله: { وَرَبُّكَ الغنى } يفيد الحصر ، معناه: أنه لا غني إلا هو والأمر كذلك ، لأن واجب الوجود لذاته واحد ، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج ، فثبت أنه لا غني إلا هو فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله سبحانه: { وَرَبُّكَ الغنى } وأما إثبات أنه { ذُو الرحمة } فالدليل عليه أنه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات . إما بحسب الأحوال الجسمانية ، وإما بحسب الأحوال الروحانية فثبت بالبرهان الذي ذكرناه أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، وإنما يدخل في الوجود بإيجاده وتكوينه وتخليقه فثبت أن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه ، وبإيجاده وتكوينه . ثم إن الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشر فإن المريض وإن كان كثيرًا فالصحيح أكثر منه ، والجائع وإن كان كثيرًا فالشبعان أكثر منه ، والأعمى وإن كان كثيرًا ، إلا أن البصير أكثر منه . فثبت أنه لا بد من الاعتراف بحصول الرحمة والراحة ، وثبت أن الخير أغلب من الشر والألم والآفة . وثبت أن مبدأ تلك الراحات والخيرات بأسرها هو الله تعالى فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو { ذُو الرحمة } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت