الحكم العاشر
ما يتعلق بالقتال
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: أنه تعالى أمر بالإستقامة في الآية المتقدمة بالتقوى في طريق معرفة الله تعالى فقال: { وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ولكن البر مَنِ اتقى وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها } [ البقرة: 189 ] وأمر بالتقوى في طريق طاعة الله ، وهو عبارة عن ترك المحظورات وفعل الواجبات فالإستقامة علم ، والتقوى عمل ، وليس التكليف إلا في هذين ، ثم لما أمر في هذه الآية بأشد أقسام التقوى وأشقها على النفس ، وهو قتل أعداء الله فقال: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } .
المسألة الثانية: في سبب النزول قولان الأول: قال الربيع وابن زيد: هذه الآية أول آية نزلت في القتال ، فلما نزلت كان رسول الله A يقاتل من قاتل ، ويكف عن قتال من تركه ، وبقي على هذه الحالة إلى أن نزل قوله تعالى: { اقتلوا المشركين } [ التوبة: 5 ] .
والقول الثاني: أنه E خرج بأصحابه لإرادة الحج ونزل الحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء فصدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهرًا لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ، ويتركون له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدي ويفعل ما شاء ، فرضي رسول الله A بذلك وصالحهم عليه ، ثم عاد إلى المدينة وتجهز في السنة القابلة ، ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم ، وكانوا كارهين لمقاتلتهم في الشهر الحرام وفي الحرم ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ، وبين لهم كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها ، فقال: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } .
المسألة الثالثة: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } أي في طاعته وطلب رضوانه ، روى أبو موسى أن النبي A سئل عمن يقاتل في سبيل الله ، فقال: « هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ولا يقاتل رياء ولا سمعة »
المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله: { الذين يقاتلونكم } على وجوه أحدها: وهو قول ابن عباس ، المراد منه: قاتلوا الذين يقاتلونكم إما على وجه الدفع عن الحج ، أو على وجه المقاتلة ابتداء ، وهذا الوجه موافق لما رويناه عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية وثانيها: قاتلوا كل من له قدرة وأهلية على القتال وثالثها: قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية كذلك سوى من جنح للسلم ، قال تعالى: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا } [ الأنفال: 61 ] واعلم أن القول الأول أقرب إلى الظاهر لأن ظاهر قوله تعالى: { الذين يقاتلونكم } يقتضي كونهم فاعلين للقتال ، فأما المستعد للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه ، فإنه لا يوصف بكونه مقاتلًا إلا على سبيل المجاز .