فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 8321

المسألة الخامسة: من الناس من قال: هذه الآية منسوخة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين ، ونهى عن قتال غير المقاتلين ، بدليل أنه قال: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم } ثم بعده: ولا تعتدوا هذا القدر ، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه الآية مانعة من قتال غير المقاتلين ، ثم قال تعالى بعد ذلك: { واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } [ البقرة: 191 ] فاقتضي هذا حصول الأول في قتال من لم يقاتل ، فدل على أن هذه الآية منسوخة ، ولقائل أن يقول: نسلم أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا ، لكن هذا الحكم ما صار منسوخًا .

أما قوله: إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا ، فهذا غير مسلم ، وأما قوله تعالى: { وَلاَ تَعْتَدُواْ } فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم ، منها أن يكون المعنى: ولا تبدؤا في الحرم بقتال ، ومنها أن يكون المراد: ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد ، أو بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة ، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ الفاني ، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة .

فإن قيل: هب أنه لا نسخ في الآية ، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل ، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا .

قلنا: لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين ، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة ، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع ، وأقام من أقام منهم على الشرك ، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال ، حصل اليأس من إسلامهم ، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق .

المسألة السادسة: المعتزلة احتجوا بقوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } قالوا: لو كان الإعتداء بإرادة الله تعالى وبتخليقه لما صح هذا الكلام ، وجوابه قد تقدم والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت