اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ الحسن { قَوْلَ المؤمنين } بالرفع ، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسمًا لكان أوغلهما في التعريف و { أَن يَقُولُواْ } أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف { قَوْلَ المؤمنين } .
المسألة الثانية: قوله: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين } معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا ، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعًا وطاعة ، ومعنى { سَمِعْنَا } أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب ، ثم قال: { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } أي فيما ساءه وسره { وَيَخْشَ الله } فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي { وَيَتَّقْهِ } فيما بقي من عمره { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه .
أما قوله: { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ } فقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين ، ثم قال لما بين الله تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول الله ، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله: { قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم ، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحًا .
أما قوله: { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } فهو إما خبر مبتدأ محذوف ، أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة ، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه ، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها . وقرأ اليزيدي { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } بالنصب على معنى أطيعوا طاعة ( الله ) { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي بصير لا يخفى عليه شيء من سرائركم ، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم .
أما قوله: { قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ، وهو أبلغ في تبكيتهم { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم من الطاعة { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين ، والبلاغ بمعنى التبليغ ، والمبين الواضح ، والموضح لما بكم إليه الحاجة ، وعن نافع أنه قرأ { فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ } بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية .