فهرس الكتاب

الصفحة 3883 من 8321

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ، إلا أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى: { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَنًا فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } [ فاطر: 8 ] وقوله: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِمًا } [ الزمر: 9 ] وقوله: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر: 9 ] .

واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد محتمل . فالأول: أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو . والثاني: أنه ما المراد بهذه البينة . والثالث: أن المراد بقوله: { يتلوه } القرآن أو كونه حاصلًا عقيب غيره . والرابع: أن هذا الشاهد ما هو؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية .

أما الأول: وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو؟ فقيل: المراد به النبي E ، وقيل: المراد به من آمن من اليهود كعبدالله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } وهذا صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد A ، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في { يتلوه } يرجع إلى معنى البينة ، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى ، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى .

واعلم أن كون كتاب موسى تابعًا للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و { إِمَامًا } نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة أولها: دلالة البينات العقلية على صحته . وثانيها: شهادة القرآن بصحته . وثالثها: شهادة التوراة بصحته ، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر .

فالقول الأول: أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن ، والمراد بقوله: { يتلوه } هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوهًا: أحدها: أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى: أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام . وثانيها: أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي Bهما قال: قلت لأبي أنت التالي قال: وما معنى التالي قلت قوله: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله A ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تاليًا على سبيل المجاز كما يقال: عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق . وثالثها: أن المراد هو علي بن أبي طالب Bه ، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله: { مِنْهُ } أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه ، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام . ورابعها: أن لا يكون المراد بقوله: { وَيَتْلُوهُ } القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن ولا ساحر ولا كذاب والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي A .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت