فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 8321

اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء: أحدها: ما ذكره في هذه الآية ، وهو أنهم { يخادعون الله والذين ءَامَنُوا } فيجب أن يعلم أولًا: ما المخادعة ، ثم ثانيًا: ما المراد ، بمخادعة الله؟ وثالثًا: أنهم لماذا كانوا يخادعون الله؟ ورابعًا: أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم؟ .

المسألة الأولى: اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة ، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل ، وأصل هذه اللفظة الإخفاء ، وسميت الخزانة المخدع ، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان . وقالوا: خدع الضب خدعًا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلًا ، وطريق خيدع وخداع ، إذا كان مخالفًا للمقصد بحيث لا يفطن له ، ومنه المخدع . وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد ، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه ، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة ، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة ، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة ، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده ، ومنه أخذ التدليس في الحديث ، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس .

المسألة الثانية: وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى؟ فلقائل أن يقول: إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين: الأول: أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع ، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعًا ، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع . الثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى ، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لا بدّ من التأويل وهو من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه . قال: { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح: 10 ] وقال في عكسه { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال: 41 ] أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى . الثاني: أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع ، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم .

المسألة الثالثة: فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه: الأول: أنهم ظنوا أن النبي A والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا . الثاني: يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي A إليهم أسراره ، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار . الثالث: أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل ، لقوله E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت