فهرس الكتاب

الصفحة 2538 من 8321

/ وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قيل: لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ، ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث الله غرابًا ، وفيه وجوه: الأول: بعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ، فتعلم قابيل ذلك من الغراب . الثاني: قال الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غرابًا يحثو التراب على المقتول ، فلما رأى القاتل أن الله كيف يكرمه بعد موته ندم وقال: يا ويلتى . الثالث: قال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئًا فتعلم ذلك منه .

المسألة الثانية: { لِيُرِيَهُ } فيه وجهان: الأول: ليريه الله أو ليريه الغراب ، أي ليعلمه ، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز .

المسألة الثالثة: { سوأة أَخِيهِ } عورة أخيه ، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده ، والسوأة الفضيحة لقبحها . وقيل سوأة أخيه ، أي جيفة أخيه .

ثم قال تعالى: { قَالَ ياويلتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لا شك أن قوله { يا ويلتى } كلمة تحسر وتلهف ، وفي الآية احتمالان: الأول: أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول ، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علمًا منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته ، فندم وتلهف وتحسر على فعله . الثاني: أنه كان عالمًا بكيفية دفنه ، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل ، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافًا به ، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال: إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض ، أفأكون أقل شفقه من هذا الغراب ، وقيل: إن الغراب جاء وكان يحثي التراب على المقتول ، فلما رأى أن الله أكرمه حال حياته بقبول قربانه . وأكرمه بعد مماته بأن بعث هذا الغراب ليدفنه تحت الأرض علم أنه عظيم الدرجة عند الله فتلهف على فعله ، وعلم أنه لا قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه في الأرض ، فلا جرم قال: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب .

المسألة الثانية: قوله: { يا ويلتى } اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب ، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ، ولفظها لفظ النداء ، وكأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره ، أي أيها الويل احضر ، فهذا أوان حضورك ، وذكر { يا } زيادة بيان كما في قوله { يا ويلتى أألد } [ هود: 72 ] والله أعلم .

المسألة الثالثة: لفظ الندم وضع للزوم ، ومنه سمي النديم نديمًا لأنه يلازم المجلس . وفيه سؤال: وهو أنه A قال: «الندم توبة» فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم لم تقبل توبته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت