فهرس الكتاب

الصفحة 3844 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده ، ذكر أيضًا في هذه الآية ما وقع عليه الختم في أمر بني إسرائيل ، وههنا بحثان:

البحث الأول: أن قوله: { بَوَّأْنَا بَنِى إسراءيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ } أي أسكناهم مكان صدق أي مكانًا محمودًا ، وقوله: { مُبَوَّأَ صِدْقٍ } فيه وجهان: الأول: يجوز أن يكون مبوأ صدق مصدرًا ، أي بوأناهم تبوأ صدق . الثاني: أن يكون المعنى منزلًا صالحًا مرضيًا ، وإنما وصف المبوأ بكونه صدقًا ، لأن عادة العرب أنها إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق تقول: رجل صدق ، وقدم صدق . قال تعالى: { وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } [ الإسراء: 80 ] والسبب فيه أن ذلك الشيء إذا كان كاملًا في وقت صالحًا للغرض المطلوب منه ، فكل ما يظن فيه من الخبر ، فإنه لا بد وأن يصدق ذلك الظن .

البحث الثاني: اختلفوا في أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية أهم اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام أم الذين كانوا في زمن محمد عليه السلام .

أما القول الأول: فقد قال به قوم ودليلهم أنه تعالى لما ذكر هذه الآية عقيب قصة موسى عليه السلام كان حمل هذه الآية على أحوالهم أولى ، وعلى هذا التقدير: كان المراد بقوله: { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إسراءيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ } الشام ومصر ، وتلك البلاد فإنها بلاد كثيرة الخصب . قال تعالى: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } [ الإسراء: 1 ] والمراد من قوله: { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } تلك المنافع ، وأيضًا المراد منها أنه تعالى أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من الناطق والصامت والحرث والنسل ، كما قال: { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها } [ الأعراف: 137 ] .

ثم قال تعالى: { فَمَا اختلفوا حتى جَاءهُمُ العلم } والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرؤا التوراة ، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم . ثم بين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لا بد وأن يبقى في دار الدنيا ، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة .

وأما القول الثاني: وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود الذين كانوا في زمان محمد E فهذا قال به قوم عظيم من المفسرين . قال ابن عباس: وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من الطيبات ، والمراد ما في تلك البلاد من الرطب والتمر التي ليس مثلها طيبًا في البلاد ، ثم إنهم بقوا على دينهم ، ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم ، والمراد من العلم القرآن النازل على محمد E ، وإنما سماه علمًا ، لأنه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز مشهور . وفي كون القرآن سببًا لحدوث الاختلاف وجهان: الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد E ويفتخرون به على سائر الناس ، فلما بعثه الله تعالى كذبوه حسدًا وبغيًا وإيثارًا لبقاء الرياسة وآمن به طائفة منهم ، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سببًا لحدوث الاختلاف فيهم . الثاني: أن يقال: إن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفارًا محضًا بالكلية وبقوا على هذه الحالة حتى جاءهم العلم ، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي أقوام آخرون على كفرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت