فهرس الكتاب

الصفحة 3843 من 8321

[ آل عمران: 21 ] كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك ، ومثل هذا الكلام قد يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال: نعتقك ولكن بعد الموت ، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت . الرابع: قرأ بعضهم { نُنَجّيكَ } بالحاء المهملة ، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر . قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور .

وأما قوله: { بِبَدَنِكَ } ففيه وجوه: الأول: ما ذكرنا أنه في موضع الحال ، أي في الحال التي كنت بدنًا محضًا من غير روح . الثاني: المراد ننجيك ببدنك كاملًا سويًا لم تتغير . الثالث: { نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } أي نخرجك من البحر عريانًا من غير لباس . الرابع: { نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } أي بدرعك ، قال الليث: البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين ، فقوله: { بِبَدَنِكَ } أي بدرعك ، وهذا منقول عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها ، فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف . أقول: إن صح هذا فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام .

وأما قوله: { لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } ففيه وجوه: الأول: أن قومًا ممن اعتقدوا فيه الإلهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا يموت ، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت الشبهة عن قلوبهم . وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل . الثاني: لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } [ النازعات: 24 ] ليكون ذلك زجرًا للخلق عن مثل طريقته ، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ما يرون . الثالث: قرأ بعضهم { لِمَنْ خَلَقَكَ } بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته . الرابع: أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج أحدًا منهم من قعر البحر ، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة العجيبة دالًا على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة .

وأما قوله: { وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون } فالأظهر أنه تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عاقبة فرعون وختم ذلك بهذا الكلام وخاطب به محمدًا E فيكون ذلك زاجرًا لأمته عن الإعراض عن الدلائل ، وباعثًا لهم على التأمل فيها والاعتبار بها ، فإن المقصود من ذكر هذه القصص حصول الاعتبار ، كما قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالباب } [ يوسف: 111 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت