في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير: { عَبْدَنَا } على الواحد وهي قراءة ابن عباس ، ويقول إن قوله: { عَبْدَنَا } تشريف عظيم ، فوجب أن يكون هذا التشريف مخصوصًا بأعظم الناس المذكورين في هذه الآية وهو إبراهيم وقرأ الباقون: { عِبَادِنَا } قالوا لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء في عيسى: { إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } [ الزخرف: 59 ] وفي أيوب: { نِعْمَ العبد } [ ص: 44 ] وفي نوح: { إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } [ الإسراء: 3 ] فمن قرأ ( عبدنا ) جعل إبراهيم وحده عطف بيان له ، ثم عطف ذريته على عبدنا وهي إسحق ويعقوب ، ومن قرأ ( عبادنا ) جعل إبراهيم وإسحق ويعقوب عطف بيان لعبادنا .
المسألة الثانية: تقدير الآية كأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واذكر عبادنا داود إلى أن قال: واذكر عبادنا إبراهيم أي واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار ، وصبر إسحق للذبح ، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره . ثم قال: { أُوْلِي الأيدى والأبصار } ، واعلم أن اليد آلة لأكثر الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فحسن التعبير عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر . إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان عاملة وعالمة ، أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة الله ، وأما القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة الله ، وما سوى هذين القسمين من الأعمال والمعارف فكالعبث والباطل ، فقوله: { أُوْلِى الأيدى والأبصار } إشارة إلى هاتين الحالتين .
ثم قال تعالى: { إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قوله: { بِخَالِصَةٍ } قرىء بالتنوين والإضافة فمن نون كان التقدير أخلصناهم أي جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكرى الدار ، ومن قرأ بالإضافة فالمعنى بما خلص من ذكرى الدار ، يعني أن ذكرى الدار قد تكون لله وقد تكون لغير الله ، فالمعنى إنا أخلصناهم بسبب ما خلص من هذا الذكر .
المسألة الثانية: في ذكرى الدار وجوه الأولى: المراد أنهم استغرقوا في ذكرى الدار الآخرة وبلغوا في هذا الذكر إلى حيث نسوا الدنيا الثاني: المراد حصول الذكر الجليل الرفيع لهم في الدار الآخرة الثالث: المراد أنه تعالى أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقبل دعاءهم في قوله: { واجعل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِى الأخرين } [ الشعراء: 84 ] .
ثم قال تعالى: { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار } أي المختارين من أبناء جنسهم والأخياء جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت ، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء قالوا لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخيارًا على الإطلاق ، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الإجمال .
ثم قال: { واذكر إسماعيل واليسع وَذَا الكفل وَكُلٌّ مّنَ الأخيار } وهم قوم آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله ، وقد ذكرنا الكلام في شرح هذه الأسماء وفي صفات هؤلاء الأنبياء في سورة الأنبياء وفي سورة الأنعام ، فلا فائدة في الإعادة ، وههنا آخر الكلام في قصص الأنبياء في هذه السورة .