فهرس الكتاب

الصفحة 4950 من 8321

اعلم أن في قوله: { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى } دلالة على أنه قد تقدم قومه في المسير إلى المكان ويجب أن يكون المراد ما نبه عليه في قوله تعالى: { وواعدناكم جَانِبَ الطور الأيمن } [ طه: 80 ] في هذه السورة ، وفي سائر السور كقوله: { وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً } [ الأعراف: 142 ] يريد الميقات عند الطور وعلى الآية سؤالات:

السؤال الأول: قوله: { وَمَا أَعْجَلَكَ } استفهام وهو على الله محال . الجواب أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه .

السؤال الثاني: أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يقال إنه كان ممنوعًا عن ذلك التقدم أو لم يكن ممنوعًا عنه ، فإن كان ممنوعًا كان ذلك التقدم معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء ، وإن قلنا إنه ما كان ممنوعًا كان ذلك الإنكار غير جائز من الله تعالى . والجواب: لعله عليه السلام ما وجد نصًا في ذلك إلا أنه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب .

السؤال الثالث: قال: { وَعَجِلْتُ } والعجلة مذمومة . والجواب: إنها ممدوحة في الدين . قال تعالى: { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } [ آل عمران: 133 ] .

السؤال الرابع: قوله: { لترضى } يدل على أنه عليه السلام إنما فعل ذلك لتحصيل الرضا لله تعالى وذلك باطل من وجهين . أحدهما: أنه يلزم تجدد صفة الله تعالى ، والآخر أنه تعالى قبل حصول ذلك الرضا وجب أن يقال: إنه تعالى ما كان راضيًا عن موسى لأن تحصيل الحاصل محال ، ولما لم يكن راضيًا عنه وجب أن يكون ساخطًا عليه ، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام . الجواب: المراد تحصيل دوام الرضا كما أن قوله: { ثُمَّ اهتدى } المراد دوام الاهتداء .

السؤال الخامس: قوله: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ } يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عينه الله تعالى له ، وإلا لم يكن ذلك تعجيلًا ثم ظن أن مخالفة أمر الله تعالى سبب لتحصيل رضاه وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلًا عن كليم الله تعالى . والجواب: ما ذكرنا أن ذلك كان بالاجتهاد وأخطأ فيه .

السؤال السادس: قوله: { إِلَيْكَ } يقتضي كون الله في الجهة لأن إلى لانتهاء الغاية . الجواب: توافقنا على أن الله تعالى لم يكن في الجبل فالمراد إلى مكان وعدك .

السؤال السابع: { مَا أَعْجَلَكَ } سؤال عن سبب العجلة فكان جوابه اللائق به أن يقول: طلبت زيادة رضاك والشوق إلى كلامك ، وأما قوله: { هُمْ أُوْلاءِ على أَثَرِى } فغير منطبق عليه كما ترى والجواب من وجهين: الأول: أن سؤال الله تعالى يتضمن شيئين: أحدهما: إنكار نفس العجلة . والثاني: السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين عند موسى عليه السلام بالجواب هذا الثاني فقال: لم يوجد مني إلا تقدم يسير لا يحتفل به في العادة وليس بيني وبين من سبقته إلا تقدم يسير يتقدم بمثله الوفد عن قومهم ثم عقبه بجواب السؤال عن العجلة فقال: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى } . الثاني: أنه عليه السلام لما ورد عليه من هيبة عتاب الله تعالى ما ورد ذهل عن الجواب المنطبق المترتب على حدود الكلام ، واعلم أن في قوله: { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى } دلالة على أنه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين ، واختلفوا في المراد بالقوم فقال بعضهم: هم النقباء السبعون الذين قد اختارهم الله تعالى ليخرجوا معه إلى الطور فتقدمهم موسى عليه السلام شوقًا إلى ربه . وقال آخرون: القوم جملة بني إسرائيل وهم الذين خلفهم موسى مع هارون وأمره أن يقيم فيهم خليفة له إلى أن يرجع هو مع السبعين فقال: { هُمْ أُوْلاءِ على أَثَرِى } يعني بالقرب مني ينتظرونني ، وعن أبي عمرو ويعقوب إثري بالكسر وعن عيسى بن عمر أثري بالضم ، وعنه أيضًا أولى بالقصر ، والأثر أفصح من الإثر . وأما الأثر فمسموع في فرند السيف وهو بمعنى الأثر غريب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت