وفيه وجوه أحدها: قال مجاهد: تلك النعمة هي القرآن ، فإن القرآن أعظم ما أنعم الله به على محمد عليه السلام ، والتحديث به أن يقرأه ويقرىء غيره ويبين حقائقه لهم وثانيها: روي أيضًا عن مجاهد: أن تلك النعمة هي النبوة ، أي بلغ ما أنزل إليك من ربك وثالثها: إذا وفقك الله فراعيت حق اليتيم والسائل ، وذلك التوفيق نعمة من الله عليك فحدث بها ليقتدي بك غيرك ، ومنه ما روي عن الحسين بن علي عليه السلام أنه قال: إذا عملت خيرًا فحدث إخوانك ليقتدوا بك ، إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياء ، وظن أن غيره يقتدي به ، ومن ذلك لما سئل أمير المؤمنين علي عليه السلام عن الصحابة فأثنى عليهم وذكر خصالهم ، فقالوا له: فحدثنا عن نفسك فقال: مهلًا ، فقد نهى الله عن التزكية فقيل له: أليس الله تعالى يقول: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } فقال: فإني أحدث ، كنت إذا سئلت أعطيت وإذا سكت ابتديت ، وبين الجوانح علم جم فاسألوني ، فإن قيل: فما الحكمة في أن أخر الله تعالى حق نفسه عن حق اليتيم والعائل؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: كأنه يقول أنا غني وهما محتاجان وتقديم حق المحتاج أولى وثانيها: أنه وضع في حظهما الفعل ورضي لنفسه بالقول وثالثها: أن المقصود من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر الله تعالى ، فجعل خاتمة هذه الطاعات تحدث القلب واللسان بنعم الله تعالى حتى تكون ختم الطاعات على ذكر الله ، واختار قوله: { فَحَدّثْ } على قوله فخبر ، ليكون ذلك حديثًا عند لا ينساه ، ويعيده مرة بعد أخرى ، والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .