فهرس الكتاب

الصفحة 5325 من 8321

اعلم أن الكلام في هذه الآية مرتب على فصول:

الفصل الأول في إطلاق اسم النور على الله تعالى

اعلم أن لفظ النور موضوع في اللغة لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على الأرض والجدران وغيرهما ، وهذه الكيفية يستحيل أن تكون إلهًا لوجوه: أحدها: أن هذه الكيفية إن كانت عبارة عن الجسم كان الدليل الدال على حدوث الجسم دالًا على حدوثها ، وإن كانت عرضًا فمتى ثبت حدوث جميع الأعراض القائمة به ولكن هذه المقدمة إنما تثبت بعد إقامة الدلالة على أن الحلول على الله تعالى محال وثانيها: أنا سواء قلنا النور جسم أو أمر حال في الجسم فهو منقسم ، لأنه إن كان جسمًا فلا شك في أنه منقسم ، وإن كان حالًا فيه ، فالحال في المنقسم منقسم ، وعلى التقديرين فالنور منقسم وكل منقسم فإنه يفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، وكل مفتقر فهو في تحققه مفتقر إلى غيره ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته محدث بغيره ، فالنور محدث فلا يكون إلهًا وثالثها: أن هذا النور المحسوس لو كان هو الله لوجب أن لا يزول هذا النور لامتناع الزوال على الله تعالى ورابعها: أن هذا النور المحسوس يقع بطلوع الشمس والكواكب . وذلك على الله محال وخامسها: أن هذه الأنوار لو كانت أزلية لكانت إما أن تكون متحركة أو ساكنة ، لا جائز أن تكون متحركة لأن الحركة معناها الانتقال من مكان إلى مكان فالحركة مسبوقة بالحصول في المكان الأول . والأزلى يمتنع أن يكون مسبوقًا بالغير فالحركة الأزلية محال . ولا جائز أن تكون ساكنة لأن السكون لو كان أزليًا لكان ممتنع الزوال لكن السكون جائز الزوال ، لأنا نرى الأنوار تنتقل من مكان إلى مكان فدل ذلك على حدوث الأنوار وسادسها: أن النور إما أن يكون جسمًا أو كيفية قائمة بالجسم ، والأول محال لأنا قد نعقل الجسم جسمًا مع الذهول عن كونه نيرًا ولأن الجسم قد يستنير بعد أن كان مظلمًا فثبت الثاني لكن الكيفية القائمة بالجسم محتاجة إلى الجسم ، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلهًا ، وبمجموع هذه الدلائل يبطل قول المانوية الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو النور الأعظم . وأما المجسمة المعترفون بصحة القرآن فيحتج على فساد قولهم بوجهين: الأول: قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } [ الشورى: 11 ] ولو كان نورًا لبطل ذلك لأن الأنوار كلها متماثلة الثاني: أن قوله تعالى: { مَثَلُ نُورِهِ } صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه . وكذا قوله: { يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } فإن قيل قوله: { الله نُورُ السموات } يقتضي ظاهره أنه في ذاته نور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت