وقوله: { مَثَلُ نُورِهِ } يقتضي أن لا يكون هو في ذاته نورًا وبينهما تناقض ، قلنا نظير هذه الآية قولك زيد كرم وجود ، ثم تقول ينعش الناس بكرمه وجوده ، وعلى هذا الطريق لا تناقض الثالث: قوله سبحانه وتعالى: { وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام: 1 ] وذلك صريح في أن ماهية النور مجعولة لله تعالى فيستحيل أن يكون الإله نورًا ، فثبت أنه لا بد من التأويل ، والعلماء ذكروا فيه وجوهًا: أحدها: أن النور سبب للظهور والهداية لما شاركت النور في هذا النور في هذا المعنى صح إطلاق اسم النور على الهداية وهو كقوله تعالى: { الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة: 257 ] .
وقوله: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } [ الأنعام: 122 ] وقال: { ولكن جعلناه نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } [ الشورى: 52 ] فقوله: { الله نُورُ السموات والأرض } أي ذو نور السموات والأرض والنور هو الهداية ولا تحصل إلا لأهل السموات ، والحاصل أن المراد الله هادي أهل السموات والأرض وهو قول ابن عباس والأكثرين Bهم وثانيها: المراد أنه مدبر السموات والأرض بحكمة بالغة وحجة نيرة فوصف نفسه بذلك كما يوصف الرئيس العالم بأنه نور البلد ، فإنه إذا كان مدبرهم تدبيرًا حسنًا فهو لهم كالنور الذي يهتدى به إلى مسالك الطرق ، قال جرير:
وأنت لنا نور وغيث وعصمة ... وهذا اختيار الأصم والزجاج وثالثها: المراد ناظم السموات والأرض على الترتيب الأحسن فإنه قد يعبر بالنور على النظام ، يقال ما أرى لهذا الأمر نورًا ورابعها: معناه منور السموات والأرض ثم ذكروا في هذا القول ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منور السماء بالملائكة والأرض بالأنبياء والثاني: منورها بالشمس والقمر والكواكب والثالث: أنه زين السماء بالشمس والقمر والكواكب وزين الأرض بالأنبياء والعلماء ، وهو مروي عن أبي بن كعب والحسن وأبي العالية والأقرب هو القول الأول لأن قوله في آخر الآية: { يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } يدل على أن المراد بالنور الهداية إلى العلم والعمل . واعلم أن الشيخ الغزالي C صنف في تفسير هذه الآية الكتاب المسمى بمشكاة الأنوار ، وزعم أن الله نور في الحقيقة بل ليس النور إلا هو ، وأنا أنقل محصل ما ذكره مع زوائد كثيرة تقوي كلامه ثم ننظر في صحته وفساده على سبيل الإنصاف فقال: اسم النور إنما وضع للكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ظواهر هذه الأجسام الكثيفة ، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الثوب ونور السراج على الحائط ، ومعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة منجلية ، ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على كونها مستنيرة فكذا يتوقف على وجود العين الباصرة إذ المرئيات بعد استنارتها لا تكون ظاهرة في حق العميان فقد ساوى الروح الباصرة النور الظاهرة في كونه ركنًا لا بد منه للظهور ، ثم يرجح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك ، وأما النور الخارج فليس بمدرك ولا به الإدراك بل عنده الإدراك ، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ضعيف ، وفي الأعمش إنه ضعف نور بصره .