فيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها .
واعلم أن أكثر المفسرين على أن ( لا ) ههنا صلة زائدة ، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب ، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون: هذه الكلمة ليست بزائدة ، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه . أما القول المشهور: وهو أن هذه اللفظة زائدة ، فاعلم أنه لا بد ههنا من تقديم مقدمة وهي: أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا ، والكتاب والشرع ليس إلا لنا ، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين ، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد E وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم ، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان ، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين ، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلًا أما القول الثاني: وهو أن لفظة ( لا ) غير زائدة ، فاعلم أن الضمير في قوله: { أَلاَّ يَقْدِرُونَ } عائد إلى الرسول وأصحابه ، والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله ، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه ، ثم قال: { وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله } أي وليعلموا أن الفضل بيد الله ، فيصير التقدير: إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين ، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله ، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة ، فقلنا في قوله: { وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله } تقدير وليعتقدوا أن الفضل بيد الله وأما القول الأول: فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجد ، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف ، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلًا أصلًا ، أماإذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهمًا للباطل ، فعلمنا أن هذا القول أولى ، والله أعلم .
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرىء: ( لكي يعلم ) ، و ( لكيلا يعلم ) ، و ( ليعلم ) ، و ( لأن يعلم ) ، بأدغام النون في الياء ، وحكى ابن جني في «المحتسب» عن قطرب: أنه روي عن الحسن: ( ليلا ) ، بكسر اللام وسكون الياء ، وحكى ابن مجاهد عنه ليلًا بفتح اللام وجزم الياء من غير همز ، قال ابن جني: وما ذكر قطرب أقرب ، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي للا فيجب إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلًا ، وأما رواية ابن مجاهد عنه ، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له: فمنهم من قاس المظهر عليه ، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ: