فهرس الكتاب

الصفحة 3232 من 8321

اعلم أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنهم لما قالوا له: { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } فهو عليه السلام ذكر في الجواب وجوهًا: أولها: أنه حكم عليهم بالجهل فقال: { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وثانيها: أنه قال: { إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } أي سبب للخسران والهلاك . وثالثها: أنه قال: { وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي هذا العمل الشاق لا يفيدهم نفعًا في الدنيا والدين . ورابعها: ما ذكره في هذه الآية من التعجب منهم على وجه يوجب الإنكار والتوبيخ فقال: { أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } والمعنى: أن الإله ليس شيئًا يطلب ويلتمس ويتخذ ، بل الإله هو الله الذي يكون قادرًا على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم ، وهو المراد من قوله: { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } فهذا الموجود هو الإله الذي يجب على الخلق عبادته ، فكيف يجوز العدول عن عبادته إلى عبادة غيره . قال الواحدي C: يقال: بغيت فلانًا شيئًا وبغيت له . قال تعالى: { يَبْغُونَكُمُ الفتنة } [ التوبة: 47 ] أي يبغون لكم ، وفي انتصاب قوله: { إلها } وجهان: أحدهما: الحال كأنه قيل: أطلب لكم غير الله معبودًا ، ونصب { غَيْرِ } في هذا الوجه على المفعول به . الثاني: أن ينصب { إلها } على المفعول به { وَغَيْر } على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم إلها غير الله . وقوله: { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } فيه قولان: الأول: المراد أنه تعالى فضلهم على عالمي زمانهم . الثاني: أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من العالمين ، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال ، ومثاله: رجل تعلم علمًا واحدًا وآخر تعلم علومًا كثيرة سوى ذلك العلم ، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد ، إلا أن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد في الحقيقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت