فهرس الكتاب

الصفحة 1201 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ، ويتناشدون فيها الأشعار ، ويتكلمون بالمنثور من الكلام ، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه ، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم ، وروى القفال في «تفسيره» عن ابن عمر قال: طاف رسول الله A على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا { رَّحِيمٌ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى } [ الحجرات: 13 ] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القدر ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

المسألة الثانية: اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس ، فالمراد به الإتمام والفراغ ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام ، نظير الأول قوله تعالى: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ } [ فصلت: 12 ] { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة } [ الجمعة: 10 ] وقال E:"وما فاتكم فاقضوا"ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما ، ونظير الثاني قوله تعالى: { وقضى رَبُّكَ } [ الإسراء: 23 ] وإذا استعمل في الإعلام ، فالمراد أيضًا ذلك كقوله: { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب } [ الإسراء: 4 ] يعني أعلمناهم .

إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: { فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم } لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصًا وذكر كثير منه قد تقدم من قبل ، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد: اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله: { فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم فاذكروا الله } كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه ، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله: { فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم } مشعر بالفراغ والاتمام من الكل ، وهذا مفارق لقول القائل: إذا حججت فقف بعرفات ، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج .

المسألة الثالثة: «المناسك» جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك ، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ، وإن جعلنها جمع منسك الذي هو موضع العبادة ، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمال مناسككم ، فيكون من باب حذف المضاف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت