اعلم أن عبدالله هو النبي A في قول الجميع ، ثم قال الواحدي: إن هذا من كلام الجن لا من جملة الموحى ، لأن الرسول لا يليق أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد ، كما في قوله: { يَوْمٍ يُحْشَرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا } [ مريم: 85 ] والأكثرون على أنه من جملة الموحى ، إذ لو كان من كلام الجن لكان ما ليس من كلام الجن . وفي خلل ما هو كلام الجن مختلًا بعيدًا عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح الهمزة في أن ، ومن جعله من كلام الجن كسرها ، ونحن نفسر الآية على القولين ، أما على قول من قال: إنه من جملة الموحى فالضمير في قوله: { كَادُواْ } إلى من يعود؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: إلى الجن ، ومعنى { قَامَ . . . يَدْعُوهُ } أي قام يعبده يريد قيامه لصلاة الفجر حين أتاه الجن ، فاستمعوا القراءة { كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } ، أي يزدحمون عليه متراكمين تعجبًا مما رأوا من عبادته ، واقتداء أصحابه به قائمًا وراكعًا ، وساجدًا وإعجابًا بما تلا من القرآن ، لأنهم رأوا مالم يروا مثله ، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله والثاني: لما قدم رسول الله يعبد الله وحده مخالفًا للمشركين في عبادتهم الأوثان ، كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه والثالث: وهو قول قتادة: لما قام عبدالله تلبدت الإنس والجن ، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به ويطفئوا نور الله ، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من عاداه ، وأما على قول من قال: إنه من كلام الجن ، فالوجهان أيضًا عائدان فيه ، وقوله: { لِبَدًا } فهو جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض وارتكم بعضه على بعض ، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقًا شديدًا فقد لبدته ، ومنه اشتقاق هذه اللبود التي تفرش ويقال: لبدة الأسد لما يتلبد من الشعر بين كتفيه ، ومنه قول زهير:
( لدى أسد شاكي السلاح مقذف ) ... له لبد أظفاره لم تقلم
وقرىء: { لِبَدًا } بضم اللام واللبدة في معنى اللبدة ، وقرىء { لِبَدًا } جمع لابد كسُجِّد وساجد . وقرىء أيضًا: { لِبَدًا } بضم اللام والباء جمع لبود كصبر جمع صبور ، فإن قيل: لم سمي محمدًا بعبدالله ، وما ذكره برسول الله أو نبي الله؟ قلنا: لأنه إن كان هذا الكلام من جملة الموحى ، فاللائق بتواضع الرسول أن يذكر نفسه بالعبودية ، وإن كان من كلام الجن كان المعنى أن عبدالله لما اشتغل بعبودية الله ، فهؤلاء الكفار لم اجتمعوا ولم حاولوا منعه منه ، مع أن ذلك هو الموافق لقانون العقل؟ .