وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: { هذا } إشارة إلى ماذا؟ نقول: فيه وجوه أحدها: القرآن ثانيها: ما ذكره في السورة ثالثها: جزاء الأزواج الثلاثة .
المسألة الثانية: كيف أضاف الحق إلى اليقين مع أنهما بمعنى واحد؟ نقول: فيه وجوه أحدها: هذه الإضافة ، كما أضاف الجانب إلى الغربي في قوله: { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } [ القصص: 44 ] وأضاف الدار إلى الآخرة في قوله: { وَلَدَارُ الأخرة } [ الأنعام: 32 ] غير أن المقدر هنا غير ظاهر ، فإن شرط ذلك أن يكون بحيث يوصف باليقين ، ويضاف إليه الحق ، وما يوصف باليقين بعد إضافة الحق إليه وثانيها: أنه من الإضافة التي بمعنى من ، كما يقال: باب من ساج ، وباب ساج ، وخاتم من فضة ، وخاتم فضة ، فكأنه قال: لهو الحق من اليقين ثالثها: وهو أقرب منها ما ذكره ابن عطية أن ذلك نوع تأكيد يقال: هذا من حق الحق ، وصواب الصواب ، أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه ، والذي وقع في تقرير هذا أن الإنسان أظهر ما عنده الأنوار المدركة بالحس ، وتلك الأنوار أكثرها مشوبة بغيرها ، فإذا وصل الطالب إلى أوله يقول: وجدت أمر كذا ، ثم إنه مع صحة إطلاق اللفظ عليه لا يتميز عن غيره ، فيتوسط الطالب ويأخذ مطلوبه من وسطه ، مثاله من يطلب الماء ، ثم يصل إلى بركة عظيمة ، فإذا أخذ من طرفه شيئًا يقول: هو ماء ، وربما يقول قائل آخر: هذا ليس بماء ، وإنما هو طين ، وأما الماء ما أخذته من وسط البركة ، فالذي في طرف البركة ماء بالنسبة إلى أجسام أخرى ، ثم إذا نسب إلى الماء الصافي ربما يقال له شيء آخر ، فإذا قال: هذا هو الماء حقًا قد أكد ، وله أن يقول: حق الماء ، أي الماء حقًا هذا بحيث لا يقول أحد فيه شيء ، فكذلك ههنا كأنه قال: هذا هو اليقين حقًا لا اليقين الذي يقول بعض إنه ليس بيقين ، ويحتمل وجهًا آخر ، وهو أن يقال: الإضافة على حقيقتها ، ومعناه أن هذا القول لك يا محمد وللمؤمنين ، وحق اليقين أن تقول كذا ، ويقرب من هذا ما يقال: حق الكمال أن يصلي المؤمن ، وهذا كما قيل في قوله A: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها » أن الضمير راجع إلى الكلمة أي إلا بحق الكلمة ، ومن حق الكلمة أداء الزكاة والصلاة ، فكذلك حق اليقين أن يعرف ما قاله الله تعالى في الواقعة في حق الأزواج الثلاثة ، وعلى هذا معناه: أن اليقين لا يحق ولا يكون إلا إذا صدق فيما قاله بحق ، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه ، وأما قوله: { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } فقد تقدم تفسيره ، وقلنا إنه تعالى لما بين الحق وامتنع الكفار ، قال لنبيه A هذا هو حق ، فإن امتنعوا فلا تتركهم ولا تعرض عنهم وسبح ربك في نفسك ، وما عليك من قومك سواء صدقوك أو كذبوك ، ويحتمل أن يكون المراد فسبح واذكر ربك باسمه الأعظم ، وهذا متصل بما بعده لأنه قال في السورة التي تلي هذه: