فهرس الكتاب

الصفحة 3986 من 8321

اعلم أنه تعالى بين أنه ما أهلك أهل القرى إلا بظلم وفيه وجوه:

الوجه الأول: أن المراد من الظلم ههنا الشرك قال تعالى: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] والمعنى أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر ، بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم . ولهذا قال الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة . وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح . ويقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ، فمعنى الآية: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ } أي لا يهلكهم بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعامل بعضهم بعضًا على الصلاح والسداد . وهذا تأويل أهل السنة لهذه الآية ، قالوا: والدليل عليه أن قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب إنما نزل عليهم عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق .

والوجه الثاني: في التأويل وهو الذي تختاره المعتزلة هو أنه تعالى لو أهلكهم حال كونهم مصلحين لما كان متعاليًا عن الظلم فلا جرم لا يفعل ذلك بل إنما يهلكهم لأجل سوء أفعالهم .

ثم قال تعالى: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً } والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار وقد سبق الكلام عليه .

ثم قال تعالى: { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } والمراد افتراق الناس في الأديان والأخلاق والأفعال .

واعلم أنه لا سبيل إلى استقصاء مذاهب العالم في هذا الموضع ومن أراد ذلك فليطالع كتابنا الذي سميناه «بالرياض المونقة» إلا أنا نذكر ههنا تقسيمًا جامعًا للمذاهب . فنقول: الناس فريقان منهم من أقر بالعلوم الحسية كعلمنا بأن النار حارة والشمس مضيئة والعلوم البديهية كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ، ومنهم من أنكرهما ، والمنكرون هم السفسطائية ، والمقرون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم ، وهم فريقان: منهم من سلم أنه يمكن تركيب تلك العلوم البديهية بحيث يستنتج منها نتائج علمية نظرية ، ومنهم من أنكره ، وهم الذين ينكرون أيضًا النظر إلى العلوم ، وهم قليلون ، والأولون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم ، وهم فريقان: منهم من لا يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلًا وهم الأقلون ، ومنهم من يثبت له مبدأ وهؤلاء فريقان: منهم من يقول: ذلك المبدأ موجب بالذات ، وهم جمهور الفلاسفة في هذا الزمان ، ومنهم من يقول: إنه فاعل مختار وهم أكثر أهل العالم ، ثم هؤلاء فريقان: منهم من يقول: إنه ما أرسل رسولًا إلى العباد ، ومنهم من يقول: إنه أرسل الرسول ، فالأولون هم البراهمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت