{ اقرأ باسم رَبّكَ } اعلم أن في الباء من قوله: { باسم رَبّكَ } قولين: أحدهما: قال أبو عبيدة: الباء زائدة ، والمعنى: اقرأ اسم ربك ، كما قال الأخطل:
هن الحرائر لا ربات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ومعنى اقرأ اسم ربك ، أي أذكر اسمه ، وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها: أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول: ما أنا بقارىء ، أي لا أذكر اسم ربي وثانيها: أن هذا الأمر لا يليق بالرسول ، لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله ، فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولًا به أبدًا وثالثها: أن فيه تضييع الباء من غير فائدة .
القول الثاني: أن المراد من قوله: { اقرأ } أي اقرأ القرآن ، إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه قال تعالى: { فَإِذَا قرأناه فاتبع قُرْءانَهُ } [ القيامة: 18 ] وقال: { وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ } [ الإسراء: 106 ] وقوله: { باسم رَبّكَ } يحتمل وجوهًا أحدها: أن يكون محل باسم ربك النصب على الحال فيكون التقدير: اقرأ القرآن مفتتحًا باسم ربك أي قل: باسم الله ثم اقرأ ، وفي هذا دلالة على أنه يجب قراءة التسمية في ابتداء كل سورة كما أنزل الله تعالى وأمر به ، وفي هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجبًا ولا يبتدىء بها وثانيها: أن يكون المعنى اقرأ القرآن مستعينًا باسم ربك كأنه يجعل الاسم آلة فيما يحاوله من أمر الدين والدنيا ، نظيره كتبت بالقلم ، وتحقيقه أنه لما قال له: { اقرأ } فقال له: لست بقارىء ، فقال: { اقرأ باسم رَبّكَ } أي استعن باسم ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك وثالثها: أن قوله: { اقرأ باسم رَبّكَ } أي اجعل هذا الفعل لله وافعله لأجله كما تقول: بنيت هذه الدار باسم الأمير وصنعت هذا الكتاب باسم الوزير ولأجله ، فإن العبادة إذا صارت لله تعالى ، فكيف يجترىء الشيطان أن يتصرف فيما هو لله تعالى؟ فإن قيل: كيف يستمر هذا التأويل في قولك: قبل الأكل بسم الله ، وكذا قبل كل فعل مباح؟ قلنا: فيه وجهان أحدهما: أن ذلك إضافة مجازية كما تضيف ضيعتك إلى بعض الكبار لتدفع بذلك ظلم الظلمة ، كذا تضيف فعلك إلى الله ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك ، فقد روى أن من لم يذكر اسم الله شاركه الشيطان في ذلك الطعام والثاني: أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى على طاعة الله فيصير المباح طاعة فيصح ذلك التأويل فيه .
أما قوله: { رَبَّكَ } ففيه سؤالان:
أحدها: وهو أن الرب من صفات الفعل ، والله من أسماء الذات وأسماء الذات أشرف من أسماء الفعل ، ولأنا قد دللنا بالوجوه الكثيرة على أن اسم الله أشرف من اسم الرب ، ثم إنه تعالى قال ههنا: { باسم رَبّكَ } ولم يقل: اقرأ باسم الله كما قال في التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم وجوابه: أنه أمر بالعبادة ، وبصفات الذات ، وهو لا يستوجب شيئًا ، وإنما يستوجب العبادة بصفات الفعل ، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة ، ولأن هذه السورة كانت من أوائل ما نزل على ما كان الرسول عليه السلام قد فزع فاستماله ليزول الفزع ، فقال: هو الذي رباك فكيف يفزعك؟ فأفاد هذا الحرف معنيين أحدهما: ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل والثاني: أن الشروع ملزم للاتمام ، وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك ، أي حين كنت علقًا لم أدع تربيتك فبعد أن صرت خلقًا نفيسًا موحدًا عارفًا بي كيف أضيعك؟ .