فهرس الكتاب

الصفحة 2224 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم أمرهم بالايمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك ، ولقائل أن يقول: كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته ، حتى يكون إيمانهم استدلاليا ، فلما أمرهم بذلك الايمان ابتداء فكأنه تعالى أمرهم بالايمان على سبيل التقليد .

والجواب عنه: أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب ، وهذا صفة من كان عالما بجميع التوراة . ألا ترى أنه قال في الآية الأولى: { ألم ترإِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } [ النساء: 44 ] ولم يقل: ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب ، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة ، ، فلما قال في هذه الآية: { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب } علمنا أن هذا التكليف مختص بمن كان عالما بكل التوراة ، ومن كان كذلك فانه يكون عالما بالدلائل الدالة على نبوة محمد A ، لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل ، ولهذا قال تعالى: { مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } أي مصدقا للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد A ، واذا كان العلم حاصلا كان ذلك الكفر محض العناد ، فلا جرم حسن منه تعالى أن يأمرهم بالايمان بمحمد E جزمًا ، وأن يقرن الوعيد الشديد بذلك .

المسألة الثانية: الطمس: المحو ، تقول العرب في وصف المفازة ، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس ، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله ، وطمست الريح الأثر إذا محته ، وطمست الكتاب محوته ، وذكروا في الطمس المذكور في هذه الآية قولين: أحدهما: حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس الوجوه: والثاني: حمل اللفظ على مجازه .

أما القول الأول: فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها ، فان الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس ، فاذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا ، ومعنى قوله: { فَنَرُدَّهَا على أدبارها } رد الوجوه إلى ناحية القفا ، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة ، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة ، فان هذا الوعيد مختص بيوم القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه ، ومما يقرره قوله تعالى: { وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه وَرَاء ظَهْرِهِ } [ الانشقاق: 10 ] فانه إذا ردت الوجوه إلى القفا أوتوا الكتاب من وراء ظهورهم ، لأن في تلك الجهة العيون والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان .

فاما القول الثاني: فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ، ثم ذكروا فيه وجوها: الأول: قال الحسن: المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، أي على ضلالتها ، والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات ، ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت