فهرس الكتاب

الصفحة 2225 من 8321

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } [ الأنفال: 24 ] تحقيق القول فيه أن الانسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس ، ثم عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات ، فقدامه عالم المعقولات ، ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم: { ناكسو رؤسهم } [ السجدة: 12 ] . الثاني: يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير ، وبالوجوه: رؤساؤهم ووجهاؤهم ، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الاقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والادبار والمذلة . الثالث: قال عبد الرحمن بن زيد: هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى ، وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام ، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وإريحاء من أرض الشام ، كما جاؤا منها بدءًا ، وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين: أحدهما: تقبيح صورتهم يقال: طمس الله صورته كقوله: قبح الله وجهه ، والثاني: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها .

فان قيل: إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال ألبتة ، وان فسرناه على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه ، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فانه قال: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت } وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ } وظاهره ليس هو المسخ . الثاني: قوله تعالى: { ءامَنُواْ } تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم ، فلزم أن يكون قوله: { مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا } واقعا في الآخرة ، فصار التقدير: آمنوا من قبل أن يجىء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت . الثالث: أنا قد بينا أن قوله: { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب } خطاب مع جميع علمائهم ، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالايمان ، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبدالله بن سلام وجمع كثير من أصحابه ، ففات المشروط بفوات الشرط ، ويقال: لما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن سلام رسول الله A قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال: يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل اليك حتى يتحول وجهي في قفاي . الرابع: أنه تعالى لم يقل: من قبل أن نطمس وجوهكم ، بل قال: { مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا } وعندنا أنه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة ، ومما يدل على أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيابهم ، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ } فذكرهم على سبيل المغايبة ، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب ، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت