وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلفوا في أنها كيف أتت بالولد على أقوال: الأول: ما روي عن وهب قال: أنساها كرب الولادة وما سمعته من الناس ما كان من كلام الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته وأقبلت به إلى قومها . الثاني: ما روي عن ابن عباس Bهما أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يومًا حتى طهرت من النفاس ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى في الطريق ، فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه . وهذان الوجهان محتملان وليس في القرآن ما يدل على التعيين .
المسألة الثانية: الفريء ، البديع وهو من فري الجلد يروى أنهم لما رأوها ومعها عيسى عليه السلام قالوا لها: { لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا } فيحتمل أن يكون المراد شيئًا عجيبًا خارجًا عن العادة من غير تعيير وذم ويحتمل أن يكون مرادهم شيئًا عظيمًا منكرًا فيكون ذلك منهم على وجه الذم وهذا أظهر لقولهم بعده: { ياأخت هارون مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } لأن هذا القول ظاهره التوبيخ وأما هرون ففيه أربعة أقوال: الأول: أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح ، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فكيف صرت هكذا ، وهو قول قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفًا كلهم يسمون هرون تبركًا به وباسمه . الثاني: أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبي A إنما عنوا هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي يا واحدًا منهم . والثالث: كان رجلًا معلنًا بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة . الرابع: كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به ، وهذا هو الأقرب لوجهين: الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقة وإنما يكون ظاهر الآية محمولًا على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهرون . الثاني: أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش .
المسألة الثالثة: القراءة المشهورة: { مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء } وقرأ عمرو بن رجاء التميمي: ( ما كان أباك امرؤ سوء .
المسألة الرابعة: أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا غضبًا شديدًا وقالوا: لسخريتها بنا أشد من زناها ، روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته ، وقيل: كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغًا يتكلم فيه الصبيان . وقيل إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها ، فقال لعيسى عليه السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك: