فهرس الكتاب

الصفحة 7356 من 8321

قوله: { اتخذوا أيمانهم جُنَّةً } أي سترًا ليستتروا به عما خافوا على أنفسهم من القتل . قال في «الكشاف» : { اتخذوا أيمانهم جُنَّةً } يجوز أن يراد أن قولهم: { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } يمين من أيمانهم الكاذبة ، لأن الشهادة تجري مجرى الحلف في التأكيد ، يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله ، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى: وبه استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين ، ويجوز أن يكون وصفًا للمنافقين في استخفافهم بالإيمان ، فإن قيل: لم قالوا نشهد ، ولم يقولوا: نشهد بالله كما قلتم؟ أجاب بعضهم عن هذا بأنه في معنى الحلف من المؤمن وهو في المتعارف إنما يكون بالله ، فلذلك أخبر بقوله: نشهد عن قوله بالله .

وقوله تعالى: { فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله تعالى ، وطاعة رسوله ، وقيل: صدوا ، أي صرفوا ومنعوا الضعفة عن اتباع رسول الله A { سَاء } أي بئس { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } حيث آثروا الكفر على الإيمان وأظهروا خلاف ما أضمروا مشاكلة للمسلمين .

وقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا } ذلك إشارة إلى قوله: { سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قال مقاتل: ذلك الكذب بأنهم آمنوا في الظاهر ، ثم كفروا في السر ، وفيه تأكيد لقوله: { والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } وقوله: { فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } لا يتدبرون ، ولا يستدلون بالدلائل الظاهرة . قال ابن عباس: ختم على قلوبهم ، وقال مقاتل: طبع على قلوبهم بالكفر فهم لا يفقهون القرآن ، وصدق محمد A ، وقيل: إنهم كانوا يظنون أنهم على الحق ، فأخبر تعالى أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم ، ثم في الآية مباحث:

البحث الأول: أنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل ، ولم يقل: إنهم ساء ما كانوا يعملون ، فلم قلنا هنا؟ نقول: إن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي جعلوها جنة ، أي سترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها المسلمون كما مر .

الثاني: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى قوله تعالى: { ثُمَّ كَفَرُواْ } ؟ نقول: قال في «الكشاف» ثلاثة أوجه أحدها: { ءَامَنُواْ } نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام { ثُمَّ كَفَرُواْ } ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وثانيها: { ءَامَنُواْ } نطقوا بالإيمان عند المؤمنين { ثُمَّ كَفَرُواْ } نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله تعالى: { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا } وثالثها: أن يراد أهل الذمة منهم .

الثالث: الطبع على القلوب لا يكون إلا من الله تعالى ، ولما طبع الله على قلوبهم لا يمكنهم أن يتدبروا ويستدلوا بالدلائل ، ولو كان كذلك لكان هذا حجة لهم على الله تعالى ، فيقولون: إعراضنا عن الحق لغفلتنا ، وغفلتنا بسبب أنه تعالى طبع على قلوبنا ، فنقول: هذا الطبع من الله تعالى لسوء أفعالهم ، وقصدهم الإعراض عن الحق ، فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة وأهوائهم الباطلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت