اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين ، أمر الرسول في هذه الآية بالانذار فقال: { وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: ( الإنذار ) الاعلام بموضع المخافة وقوله { بِهِ } قال ابن عباس والزجاج بالقرآن . والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } [ الأنعام: 50 ] وقال الضحاك { وَأَنذِرْ بِهِ } أي بالله ، والأول أولى ، لأن الانذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى .
وأما قوله { الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } ففيه أقوال: الأول: أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم ، وذلك لأنه A كان يخوفهم من عذاب الآخرة ، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف ، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقًا ، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء ، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف الخوف والظن . ولقائل أن يقول: إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه ، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة ، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر ، بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه .
والقول الثاني: أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم .
والقول الثالث: أنه يتناول الكل لأن لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر ، سواء قطع بحصوله أو كان شاكًا فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائمًا في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثًا إلى الكل ، وكان مأمورًا بالتبليغ إلى الكل ، وخص في هذه الآية الذين يخافون الحشر ، لأن انتفاعهم بذلك الانذار أكمل ، بسبب أن خوفهم يحملهم على إعداد الزاد ليوم المعاد .
المسألة الثانية: المجسمة تمسكوا بقوله تعالى: { أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } وهذا يقتضي كون الله تعالى مختصًا بمكان وجهة لأن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية .
والجواب: المراد إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم .
المسألة الثالثة: قوله { لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } قال الزجاج: موضع { لَّيْسَ } نصب على الحال كأنه قيل: متخلين من ولي ولا شفيع ، والعامل فيه يخافون . ثم ههنا بحث: وذلك لأنه إن كان المراد من { الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } الكفار ، فالكلام ظاهر ، لأنهم ليس لهم عند الله شفعاء ، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون: { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة: 18 ] والله كذبهم فيه وذكر أيضًا في آية أخرى فقال