فهرس الكتاب

الصفحة 1340 من 8321

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أول ما يجب تقديمه في هذه الآية أن لقائل أن يقول: لا فرق بين هذه الآية وبين قوله: { الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } [ البقرة: 229 ] فتكون إعادة هذه الآية بعد ذكر تلك الآية تكريرًا لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز .

والجواب: أما أصحاب أبي حنيفة فهم الذين حملوا قوله: { الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع ، وإنما المشروع هو التفريق ، فهذا السؤال ساقط عنهم ، لأن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق ، وهذه الآية في بيان كيفية الرجعة ، وأما أصحاب الشافعي رحمهم الله وهم الذين حملوا تلك الآية على كيفية الرجعة فهذا السؤال وارد عليهم ، ولهم أن يقولوا: إن من ذكر حكمًا يتناول صورًا كثيرة ، وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم لم يبعد أن يعيد بعد ذلك الحكم العام تلك الصورة الخاصة مرة أخرى ، ليدل ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام ما ليس في غيرها وههنا كذلك وذلك لأن قوله: { الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } [ البقرة: 229 ] فيه بيان أنه لا بد في مدة العدة من أحد هذين الأمرين ، وأما في هذه الآية ففيه بيان أن عند مشارفة العدة على الزوال لا بد من رعاية أحد هذين الأمرين ومن المعلوم أن رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبل هذا الوقت ، وذلك لأن أعظم أنواع الإيذاء أن يطلقها ، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل حتى تبقى في العدة تسعة أشهر ، فلما كان هذا أعظم أنواع المضارة لم يقبح أن يعيد الله حكم هذه الصورة تنبيهًا على أن هذه الصورة أعظم الصور اشتمالًا على المضارة وأولاها بأن يحترز المكلف عنها .

المسألة الثانية: قوله: { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } إشارة إلى المراجعة واختلف العلماء في كيفية المراجعة ، فقال الشافعي Bه: لما لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام ، لم تكن الرجعة إلا بكلام ، وقال أبو حنيفة والثوري Bهما: تصح الرجعة بالوطء ، وقال مالك Bه: إن نوى الرجعة بالوطء كانت رجعة وإلا فلا .

حجة الشافعي Bه ما روي أن ابن عمر Bه لما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر رسول الله A عن ذلك فقال E"مره فليراجعها ثم ليمسكها"حتى تطهر أمره النبي A بالمراجعة مطلقًا ، وقيل: درجات الأمر الجواز فنقول: إنه كان مأذونًا بالمراجعة في زمان الحيض ، وما كان مأذونًا بالوطء في زمان الحيض فيلزم أن لا يكون الوطء رجعة وحجة أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه تعالى قال: { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أمر بمجرد الإمساك ، وإذا وطئها فقد أمسكها ، فوجب أن يكون كافيًا ، أما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه لما قال: إنه لا بد من الكلام ، فظاهر مذهبه أن الإشهاد على الرجعة مستحب ولا يجب وبه قال مالك وأبو حنيفة Bهما ، وقال في «الإملاء» : هو واجب ، وهو اختيار محمد بن جرير الطبري ، والحجة فيه قوله تعالى: { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ولا يكون معروفًا إلا إذا عرفه الغير ، وأجمعنا على أنه لا يجب عرفان غير الشاهد ، فوجب أن يكون عرفان الشاهد واجبًا وأجاب الأولون بأن المراد بالمعروف هو المراعاة وإيصال الخير لا ما ذكرتم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت