المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق المراجعة ، وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة ، وعند انقضاء العدة لا يثبت حق المراجعة .
والجواب من وجهين: أحدهما: المراد ببلوغ الأجل مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ ، وبالجملة فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر ، وهو كقول الرجل إذا قارب البلد: قد بلغنا الثاني: أن الأجل اسم للزمان فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة إليه ، بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة الرجعة ، وعلى هذا التأويل فلا حاجة بنا إلى المجاز .
أما قوله تعالى: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: لقائل أن يقول: فلا فرق بين أن يقول: { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وبين قوله: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار؟ .
والجواب: الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة ، فلا يتناول كل الأوقات ، أما النهي فإنه يتناول كل الأوقات ، فلعله يمسكها بمعروف في الحال ، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل ، فلما قال تعالى: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات .
المسألة الثانية: قال القفال: الضرار هو المضارة قال تعالى: { والذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا } [ التوبة: 107 ] أي اتخذوا المسجد ضرارًا ليضاروا المؤمنين ، ومعناه رجع إلى إثارة العداوة وإزالة الألفة وإيقاع الوحشة ، وموجبات النفرة ، وذكر المفسرون في تفسير هذا الضرار وجوها أحدها: ما روي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها ، فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها ، وهكذا يفعل بها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر والثاني: في تفسير الضرار سوء العشرة والثالث: تضييق النفقة ، واعلم أنهم كانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال رجاء أن تختلع المرأة منه بمالها .
أما قوله تعالى: { لّتَعْتَدُواْ } ففيه وجهان الأول: المراد لا تضاروهن فتكونوا معتدين ، يعني فتكون عاقبة أمركم ذلك وهو كقوله: