فهرس الكتاب

الصفحة 4197 من 8321

اعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولًا من عند الله . ثم إنه تعالى احتج عليهم بأمرين: الأول: شهادة الله على نبوته ، والمراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقًا في ادعاء الرسالة ، وهذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك . أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولًا من عند الله تعالى ، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة . والثاني: قوله: { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } وفيه قراءتان: إحداهما: القراءة المشهورة: { وَمَنْ عِندَهُ } يعني والذي عنده علم الكتاب . والثانية: { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } وكلمة «من» ههنا لابتداء الغاية أي ومن عند الله حصل علم الكتاب . أما على القراءة الأولى ففي تفسير الآية أقوال:

القول الأول: أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله - A - وهم: عبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي ، وتميم الداري . ويروى عن سعيد بن جبير: أنه كان يبطل هذا الوجه ويقول: السورة مكية فلا يجوز أن يراد به ابن سلام وأصحابه ، لأنهم آمنوا في المدينة بعد الهجرة . وأجيب عن هذا السؤال بأن قيل: هذه السورة وإن كانت مكية إلا أن هذه الآية مدنية ، وأيضًا فإثبات النبوة بقول الواحد والإثنين مع كونهما غير معصومين عن الكذب لا يجوز ، وهذا السؤال واقع .

القول الثاني: أراد بالكتاب القرآن ، أي أن الكتاب الذي جئتكم به معجز قاهر وبرهان باهر ، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزًا إلا لمن علم ما في هذا الكتاب من الفصاحة والبلاغة ، واشتماله على الغيوب وعلى العلوم الكثيرة . فمن عرف هذا الكتاب على هذا الوجه علم كونه معجزًا . فقوله: { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } أي ومن عنده علم القرآن وهو قول الأصم .

القول الثالث: ومن عنده علم الكتاب المراد به: الذي حصل عنده علم التوراة والإنجيل ، يعني: أن كل من كان عالمًا بهذين الكتابين علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد A ، فإذا أنصف ذلك العالم ولم يكذب كان شاهدًا على أن محمدًا A رسول حق من عند الله تعالى .

القول الرابع: ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى ، وهو قول الحسن ، وسعيد بن جبير ، والزجاج قال الحسن: لا والله ما يعني إلا الله ، والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيني وبينكم ، وقال الزجاج: الأشبه أن الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره ، وهذا القول مشكل ، لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزًا في الجملة إلا أنه خلاف الأصل . لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه ، بل يقال: شهد به زيد الفقيه ، وأما قوله إن الله تعالى لا يستشهد بغيره على صدق حكمه فبعيد ، لأنه لما جاز أن يقسم الله تعالى على صدق قوله بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت