فهرس الكتاب

الصفحة 4579 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله A إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: { لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ } [ طه: 133 ] { كَمَا أُرْسِلَ الأولون } [ الأنبياء: 5 ] وقال آخرون: المراد ما طلبوه بقولهم: { لَن نُّؤْمِنَ لك حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا } [ الإسراء: 90 ] وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا: إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم: من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون } وفي تفسير هذا الجواب وجوه:

الوجه الأول: المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم ، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة . روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول A أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب الرسول A ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم ، فقال الرسول A: « لا أريد ذلك بل تتأنى بهم » فنزلت هذه الآية .

الوجه الثاني: في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضًا .

الوجه الثالث: أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم الله منكم أيضًا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثًا ، والعبث لا يفعله الحكيم .

ثم قال تعالى: { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وفيه أبحاث:

البحث الأول: المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى .

البحث الثاني: قوله تعالى: { مُبْصِرَةً } وفيه وجهان: الأول: قال الفراء: { مُبْصِرَةً } أي مضيئة . قال تعالى: { والنهار مُبْصِرًا } [ يونس: 67 ] أي مضيئًا . الثاني: { مُبْصِرَةً } أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول .

البحث الثالث: قوله: { فَظَلَمُواْ بِهَا } أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، وقال ابن قتيبة: { ظَلَمُواْ بِهَا } أي جحدوا بأنها من الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت