فهرس الكتاب

الصفحة 6145 من 8321

اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن وجوه الأنعام وإن كانت كثيرة إلا أنها محصورة في نوعين إيصال المنافع إليه ودفع المضار عنه والله تعالى ذكر القسمين ههنا ، فقوله: { وَلَقَدْ مَنَنَّا على موسى وهارون } إشارة إلى إيصال المنافع إليهما ، وقوله: { ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا مِنَ الكرب العظيم } إشارة إلى دفع المضار عنهما .

أما القسم الأول: وهو إيصال المنافع ، فلا شك أن المنافع على قسمين: منافع الدنيا ومنافع الدين ، أما منافع الدنيا فالوجود والحياة والعقل والتربية والصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات كل واحد منهما ، وأما منافع الدين فالعلم والطاعة ، وأعلى هذه الدرجات النبوة الرفيعة المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة ، ولما ذكر الله تعالى هذه التفاصيل في سائر السور ، لا جرم اكتفى ههنا بهذا الرمز .

وأما القسم الثاني: وهو دفع الضرر فهو المراد من قوله: { ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا مِنَ الكرب العظيم } وفيه قولان: قيل إنه الغرق ، أغرق الله فرعون وقومه ، ونجى الله بني إسرائيل ، وقيل المراد أنه تعالى نجاهم من إيذاء فرعون حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم .

واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه منَّ على موسى وهارون ، فصل أقسام تلك المنة . والهاء في قوله: { ونصرناهم } أي نصرنا موسى وهارون وقومهما: { فَكَانُواْ هُمُ الغالبين } في كل الأحوال بظهور الحجة وفي آخر الأمر بالدولة والرفعة وثانيهما: قوله تعالى: { وءاتيناهما الكتاب المستبين } والمراد منه التوراة ، وهو الكتاب المشتمل على جميع العلوم التي يحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا ، كما قال: { إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } [ المائدة: 44 ] ، وثالثها: قوله تعالى: { وهديناهما الصراط المستقيم } أي دللناهما على طريق الحق عقلًا وسمعًا ، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة ، وتشبيه الدلائل الحقة بالطريق المستقيم واضح ورابعها: قوله تعالى: { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الأخرين } وفيه قولان الأول: أن المراد { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الأخرين } وهم أمة محمد A قولهم: { سلام على موسى وهارون } والثاني: أن المراد { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الأخرين } وهم أمة محمد A الثناء الحسن والذكر الجميل ، وعلى هذا التقدير فقوله بعد ذلك: { سلام على موسى وهارون } هو كلام الله تعالى ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الأربعة من أبواب التعظيم والتفضيل قال: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } وقد سبق تفسيره ، ثم قال تعالى: { إِنَّهمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } والمقصود التنبيه ، على أن الفضيلة الحاصلة بسبب الإيمان أشرف وأعلى وأكمل من كل الفضائل ، ولولا ذلك لما حسن ختم فضائل موسى وهارون بكونهما من المؤمنين ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت