فهرس الكتاب

الصفحة 3830 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى عليه السلام ، وعللوا عدم القبول بأمرين: الأول: قوله: { أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَائِنَا } قال الواحدي: اللفت في أصل اللغة الصرف عن أمر ، وأصله اللَّيّ يقال: لفت عنقه إذا لواها ، ومن هذا يقال: التفت إليه ، أي أمال وجهه إليه . قال الأزهري: لفت الشيء وفتله إذا لواه ، وهذا من المقلوب .

واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا: لا نترك الدين الذي نحن عليه ، لأنا وجدنا آبائنا عليه ، فقد تمسكوا بالتقليد ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار .

والسبب الثاني: في عدم القبول قوله: { وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِى الأرض } قال المفسرون: المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر ، والخطاب لموسى وهارون . قال الزجاج: سمى الملك كبرياء ، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا ، وأيضًا فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه ، فصار أكبر القوم .

واعلم أن السبب الأول: إشارة إلى التمسك بالتقليد ، والسبب الثاني: إشارة إلى الحرص على طلب الدنيا ، والجد في بقاء الرياسة ، ولما ذكر القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا: { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } .

واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك ، وأرادوا أن يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر ، ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السحر ، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم ، { قَالَ لَهُمُ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } .

فإن قيل: كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر؟

قلنا: إنه عليه السلام أمرهم بإلقاء الحبال والعصي ، ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل ، لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر ، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى ما جئتم به هو السحر الباطل ، والغرض منه أن القوم قالوا لموسى: إن ما جئت به سحر ، فذكر موسى عليه السلام أن ما ذكرتموه باطل ، بل الحق أن الذي جئتم به هو السحر والتمويه الذي يظهر بطلانه ، ثم أخبرهم بأن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل ، وقد أخبر الله تعالى في سائر السور أنه كيف أبطل ذلك السحر ، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف كل تلك الحبال والعصي .

المسألة الثانية: قوله: { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر } ما ههنا موصولة بمعنى الذي وهي مرتفعة بالابتداء ، وخبرها السحر ، قال الفراء: وإنما قال: { السحر } بالألف واللام ، لأنه جواب كلام سبق ألا ترى أنهم قالوا: لما جاءهم موسى هذا سحر ، فقال لهم موسى: بل ما جئتم به السحر ، فوجب دخول الألف واللام ، لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة ، يقول الرجل لغيره: لقيت رجلًا فيقول له من الرجل فيعيده بالألف واللام ، ولو قال له من رجل لم يقع في فهمه أنه سأله عن الرجل الذي ذكره له . وقرأ أبو عمرو: { السحر } بالاستفهام ، وعلى هذه القراءة ما استفهامية مرتفع بالابتداء ، وجئتم به في موضع الخبر كأنه قيل: أي شيء جئتم به . ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع: { السحر } كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت