فهرس الكتاب

الصفحة 2993 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث ، والقيامة ذكر عقيبه أنواعًا من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهًا على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفيرًا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم ، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم ، كالتمر والقمح ، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل والبقر ، نصيبًا ، فقالوا: { هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } يريد بكذبهم .

فإن قيل: أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم: هذا لله؟

قلنا: إفرازهم النصيبين نصيبًا لله؛ ونصيبًا للشيطان هو الكذب . قال الزجاج: وتقدير الكلام جعلوا لله نصيبًا ولشركائهم نصيبًا ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد ، وهو قوله: { هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا } وجعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبًا من أموالهم ينفقونها عليها .

ثم قال تعالى: { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ } وفي تفسيره وجوه: الأول: قال ابن عباس Bهما: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيبًا ، وللأوثان نصيبًا ، فما كان للصنم أنفقوه عليه ، وما كان لله أطعموه الصبيان والمساكين ، ولا يأكلون منه البتة . ثم إن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا ، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم ، وقالوا: إنه فقير . الثاني: قال الحسن والسدي: كان إذا هلك ما لأوثانهم أخذوا بدله مما لله ، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله D . الثالث: قال مجاهد: المعنى أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه ، وإن كان على ضد ذلك تركوه . الرابع: قال قتادة: إذا أصابهم القحط استعانوا بما لله ووفروا ما جعلوه لشركائهم . الخامس: قال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها ، وقالوا لو شاء زكى نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة ، قالوا لا بد لآلهتنا من نفقة ، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة ، فذلك قوله: { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ } يعني من نماء الحرث والأنعام { فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله } يعني المساكين وإنما قال: { إِلَى الله } لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ، وما كان لله فهو يصل إليهم ، ثم إنه تعالى ذم هذا الفعل { فَقَالَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة وجوهًا كثيرة: الأول: أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله تعالى ، وهو سفه . الثاني: أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع ، وهذا أيضًا سفه . الثالث: أن ذلك الحكم حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع ، فكان أيضًا سفهًا . الرابع: أنه لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر ، الخامس: أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ، ولا قدرة لها أيضًا على الانتفاع بذلك النصيب فكان إفراز النصيب لها عبثًا ، فثبت بهذا الوجوه أنه { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة ، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب ، وأن يصير ذلك سببًا لتحقيرهم في أعين العقلاء ، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد ألبتة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت