اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره ، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبدًا ، قال المفسرون: نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر ، وقد كان يتيمًا في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته ، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن عليَّ أحد منكم ، فقال مسطح أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد ، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب ، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت! فقال قد كان ذلك تعجبًا من قول حسان فلم يقبل عذره ، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرًا ولا فرجًا ، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض ، فبعث رسول الله A يخبره بأن الله تعالى قد أنزل علي كتابًا ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره ، وقرأ رسول الله A الآية عليه فلما وصل إلى قوله: { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ } قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي ، وقد تجاوزت عما كان ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين ، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم ، أما إذا عفا عنكم فمرحبًا بكم ، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم ، وههنا مسائل:
المسألة الأولى: ذكروا في قوله: { وَلاَ يَأْتَلِ } وجهين: الأول: وهو المشهور أنه من ائتلى إذا حلف ، افتعل من الألية ، والمعنى لا يحلف ، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك الإعطاء ، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب وجعل المنهي عنه مأمورًا به؛ وثانيهما: أنه قلما يوجد في الكلام افتعلت مكان أفعلت ، وإنما يوجد مكان فعلت ، وهنا آليت من الألية افتعلت . فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ألزمت التزمت ومن أعطيت اعتطيت ، ثم قال في يأتل إن أصله يأتلي ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلانًا نصحًا ، ولم آل في أمري جهدًا ، أي ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحدًا ، فالمراد لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم ويوجد كثيرًا افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت واصطنعت ورضيت وارتضيت ، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول ، ويروى هذا التأويل أيضًا عن أبي عبيدة . أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن ( لا ) تحذف في اليمين كثيرًا قال الله تعالى: